الفصل الخامس
يرد عبد القادر بقلق:- إنّه فتحي شقيقُ زوجتي رحمّها الله، غريبة جدًّ، لم يتصّل أحدٌ منهم منذ سنين طويلة، أنتَ تعلم الخطر من هذا الاتصّال، قلبي غير مطمئن، أنتَ تعلم حكاية الثأر والقتل عندهم في الصعيد، كانت رغبة والدها أن أبعدها خوفا عليها من قلبها الضعيف، لدرجة أنّه طلب مني ألا أتصل بهم مهما حدث. وبالفعل نفذت طلبه، ومن يوم زواجنا لا أعرف عنهم أي أخبار، ورغم قلق زوجتي وإلحاحهَا مرارًا وتكرارًا وبكائها اشتياقًا لأهلها لم أنفذ رغبتها احتراما لوعدي لوالدها وتجنبًا للخطر، أخشى أن أردَ عليه.
يربت عبد الله على كتفه قائلا: - الله يبعث الخير أخي، رد عليه وتوكل علي الله، أكيد الخطر زال والأمر هام، رد وأطمأن. ردّ الحاج عبد القادر على الهاتفِ وهو يرتعدُ خوفًا، كان الطّرف الآخر فتحي شقيق زوجته
بلهفة قال فتحي: - السّلام عليكم يا حاج عبد القادر، أتمنى أن تكونوا بخير جميعا، مرّت سنواتٍ طّوال، أدعو الله أن تكون أختي بخير.
بحذر قال عبد القادر:- وعليكم السّلام أخي فتحي، الحمد لله نحن في نعمة بفضل الله تعالى، و لكن .. تردد الحاج عبد الله، فكيف سيخبره بموت أخته بعد كل هذا العمر الطّويل من الفراق؟!
صمِتَ الحاج عبد الله طويلًا ثّمَ استرسلَ: - يحزنني أن أبلغكَ موتَ أختِك رحمهَا الله.
رد فتحي بحزن: - إنا لله و إنا إليه راجعون، لا حول ولا قوة إلا بالله، رحمتك بنا يا رب، لقد تأخرنا كثيرا عليها، اللهم ألهمنا صبرًا جميلًا، ظننت أنّه حانَ الوقتُ لجمع شتاتنا، ولمِ شمل ما تبقي من عائلتنا، ولكنّ الظاهر كُتب علينا ألم فراق الأحبة ومرارة الفقد.
رد الحاج عبد القادر بحزن وأسى: - البقاء لله أخي، الله يصبرنا جميعا ويعيننا على فراق أعز الناس، هوّن عليك يا أخي لله ما أخذ وله ما أعطي، العمر الطويل لك، أخبرني إذا ما أخبار الحاج والدك وأخوتك؟
تنهد فتحي بحزن:- للأسف أخي، الله أخذ أمانته، أبي وإخوتي رحمهم الله، إخوتي الثلاثة راحوا ضحية الثأر اللّعين والعقولِ المظّلمةِ، وأبي لحقَهم قهرًا عليهِم، ومرّت سنوات عجاف علينَا، تجرعنَا فيها مرارَة الفقدِ والألمِ. وبالأمس القّريب انعقدت لجنة صلح بين العائلتين وقرروا وقف سفك الدماء، والعيشَ في سلام، بعد أن فقدنَا فلذات أكبادنا وزينةَ الشّبابِ، وقد عزمنا على زيارة أختنا رحمها الله، وحجزنا أنا وأختي منال بقطار الغد، لكن قدر الله وما شاء فعل.
بأسى شديد يرد عبد القادر: - لا حول ولا قوة إلا بالله، البقاء لله أخي رحمهم الله جميعا، أحزنني ما حدث، ولكن فرج الله قريب ورحمته واسعة، وأخيرا ستنتهي عصور الجهل والظّلام وتتوقف شلالات الدماء، يشرفنا زيارتكم أخي، سننتظركم وسيفرح الأولاد بكما، لقد تركت لي زوجتي أجمل ذكرى لها: بنتا وولدين (سمر وحسن وحسين)هم زهور حياتي ونبض قلبي، وجودهم يمدني بالصبر علي نار فراقها، وسيفرح الجميع بحضوركما .
بسعادة يرد فتحي: - ما شاء الله، بارك الله فيهم وحفظهم، ورزقك برهم، أسعدتني كثيرا بهذا الخبر، سنحضر بإذن الله لنرى أغلى الأحبة. أغلق الحاج عبد القادر الهاتف ونظر لأخيه وهو يقول له :-لا أعلم كيف سأخبر سمر وإخوتها بهذه الأخبار؟!
بهدوء وعقل يرد عبد الله: - لا عليك أخي، سنخبرهم معا إن شاء الله، الأمر بسيط، لا تقلق ودع الأمر لله. في المنزل و بعد تناول الغداء جلس الجميع، بدأ الحاج عبد الله بالحديث عن الثأر في الصعيد، وما كان يحدث بين العائلات من قتل وسفك للدماء. ثم أكمل الحاج عبد القادر باقي القصة، حتى وصلا لخبر وصول الخال والخالة للزيارة قريبا. تفاجأ الجميع وخصوصًا سمر الّتي لم تكن تعرف عن أهل والدتها أي شيء، وتمنت لو مرَّ الوقت سريعًا فهي مشتاقة جدَّا لهم. كانت سمر مشغولة، ترتّب كل شيء وتستعد لمقابلة الأهل و الكلّ في حالة ترقب واستعداد لاستقبال الضّيوف.
ورد اتصّال من الخال فتحي بوصولهم سالمين، فخرج أحمد مع عمّه بالسّيارة لاستقبالهما وإحضارهما للمنزل، كانت سمر خائفة رغم سعادتها فهي تخشَى أن لا يكون الّلقاء كما تحلم به.
الجميع مترقب وصول الضّيوف، دقّ الباب فأسرعت سمر تفتحُ بشوقٍ ولهفةٍ لكنها وقفت في ذهول ولم تنبس ببنت شفة، وعند دخولِهم وقف الجميع في ذهولٍ مما رأوا وحل الصّمت دقائق. قطع أحمد الصمت ليرحب بهما:- أهلا بكما في منزلكما، استريحا لقد كان الطريق طويل، أنرتم بلدتنا. دخلت والدة أحمد وسلّمت على الّضيوف، أمّا سمر فما زالت في ذهولها مما ترى، حتّى انتبهت لصوت أحمد يحثها على التّرحيب بالضّيوف، نظرت سمر مندهشة مردّدة: - سبحان الله كأنّي أرى أمّي رحمها الله، وأجهشت بالبكاء فاحتضنتها خالتها منال - الّتي تعتبر نسخةً طبقَ الأصلِ من المرحومة سميحة - فهي أختها التوأم، وجدت سمر في حضن خالتها حنان وحب وأمان تفتقدهم منذ موت والدتها، تنهدت وأغمضت عينها وتخيلت أمها وكأنها تشم رائحتها وتتنفس أنفاسها، لم تتحمل منال فبكت معها وضمتها بحب وشوق، و كأن كل منهما تُشبع فقدها وتَروى ظمأ قلبها، لعلها تُطفئ نيرانَ اشتياقها للفقيدة، فشوق منال لأختها لا يقل عن شوق سمر لها، فكأن الله كتَب لهما اللقاء من جديد .كان أحمد حزينًا لبكاء سمر، وحاول أن يُنهيَ الموقف فأدخل حسن وحسين فأسرعا جريا بكل عفوية محتضنين منال بسعادة وبراءة، بعد الترحيب بالضّيوف جلسَ الجميع يتحدثون عن السّنوات الماضية، وما حدث هنا وهناك، مما أخاف سمر وأثار قلقها فموت أهلها مقتولين ليس هينًا عليها. فما زالت تعاني ألمَ فقد والدتها، أحست أنّها تشاهد مسلسلًا تلفزيونيًا ورأت أمامها بحورَ الدم والشّر، لم تكن تتوقع أن ما تراه في المسلسلات حقيقة وأن عائلتها جزء منه فاختنقت فجأة ولم تعد تتحمل ما تسمع فعادت للبكاء وضمتها خالتها منال لتهدأ من روعها هي وإخوتها حسن وحسين ، واستأذنت من الجميع وذهبت بهم لغرفة سمر. كان أحمد يحترق من الألم علي سمر، وتمنّى لو يضمّها إليه ويحمل عنها كل هذا الحزن والألم. ذهب الجميع للنوم والراحة لكن أحمد ظّل مستيقظًا في حجرته يفكر في سمر، ويدعو الله أن تمرّ تلك الأيّام على خير ويحفظها له، أيضا سمر لم تستطع أن تنام، ما بين فرحتها بأهلها وحزنها على من ماتوا منهم وبين التفكير في الماضي والخوف مما هو آتِ. ذهب أحمد لصّلاة الفجر في المسجد ومعه والده وعمّه لكن عند عودتهم سمعوا صوت في الحديقة فاتجهوا نحوه. وكانت المفاجأة .








































