في المستشفى كان الجميع يتملكهم الخوف على خالد، والدعاء له بالشفاء، الكل يحبه لحسن أخلاقه ومواقفه النبيلة مع الجميع. ترددت ندى قبل ذهابها، فبأي صفة ستذهب؟! أيقنت وقتها أن لا مكان لها في حياة خالد! هي مجرد طالبة ومعدة لمحاضراته، قربها منه للعمل والدراسة وليس كما ظنت أنها أصبحت من العائلة، أو لها حق في رؤيته والاطمئنان عليه! لكنها تناست كل ذلك وذهبت، عانقتها أخت خالد وهي تبكي وربتت ندى على كتفها محاولة التماسك وعدم البكاء، وما إن رأتها زوجة خالد إلا وملأ وجهها علامات الاستفهام! وبدأت تشعر ندى بالحرج! خرج الطبيب وطمئنهم جميعا عليه! بدت السعادة جلية على ندى، ولاحظت زوجة خالد ذلك فنظرت إليها بغيرة وملأ قلبها الشك! واقتربت من ندى تسألها من تكون؟!
قدمت ندى نفسها، فهزت رأسها وقالت:- نعم، تذكرت حدثني خالد عنكِ، لكن لم أركِ من قبل، أهلا بكِ، وشكرا لقدومك وسؤالك!
تمنت ندى عدم قدومها وتعرضها لهذا الموقف، الذي جرح مشاعرها، حساسيتها المفرطة ستقضي عليها ذات يوم! ظلت تؤنب نفسها أثناء عودتها من المستشفى، والدموع تتساقط منها خوفا وألما، تخاف أن يصيب خالد مكروه، وتتألم من أجله ومن أجل جرحها وإحراجها اليوم أمام الجميع!
طوال الطريق تتحدث إلى نفسها: زوجته لا تعلم أنني أعرفه من قبل أن تُولد هي! لا تعلم أنه كان ذات يوم فارس أحلامي ورفيق روحي طوال العمر! حتى هو لا يعلم!
كلها ذكريات وحنين فقط، حقا انتهت الأحلام وولى زمن الشوق واللهفة! لكن تبقى الإنسانية والرحمة والود لا شيء غيرها! نعم يا ندى ليس لكِ مكان في حياته! ليس من حقك السؤال عليه، كان يكفى الدعاء له والاطمئنان من بعيد، لماذا ذهبتِ؟!
مسحت دموعها وتذكرت كلمات الطبيب النفسي لها:
-ليس حبا! ما يدفعكِ نحو خالد، أنه مجرد رمز لأيام الحب والأحلام الوردية والعاطفة التي تفتقديها.
هل حقا الجوع العاطفي ما جعلني ارتبك عند رؤية خالد، والحنين للماضي والأحلام الجميلة؟!
كانت تتحدث إلى نفسها حتى وصلت المنزل، حيث لا حنان ولا تفاهم ولا ود مع زوجها! تعيش بحزن وهم ثقيل، هذا الحزن الذي أفقدها لذة الحياة، حتى أصبحت جسدًا بلا روح، تتنفس ألمًا، وتشرب قهرًا، وتقتات حبوب النسيان، لكنها لا تنسى، تحاول أن تعود للحياة، لكن تعود كالميت رغم إنها ما زلت على قيد الحياة!
مرت أيام ثقال فقد فقدت ندى حضن ودفء سناء فبعد فقد زوجها لم تعد الملجأ لندى فلا تقوى ندى على بث همومها واحزانها لها بل تبدلت الأدوار وأصبحت ندى من تسمع وتحتوى سناء وتحاول جاهدة الا تظهر همها، خرجت ندى إلى الجامعة وهي تردد: الآن بردت عواطفي الجياشة نحو خالد، عدت كما كنت غريبة عنه ومتى كنت قريبة، جمعنا الألم والحزن، ولم ولن يجمعنا الحب يوما! الآن اتقبل الواقع وأعود لحياتي، أنه اختيار الله لي، وعليّ الرضا والصبر حتى يحدث الله أمرا.
مرت أيام وليال قلق ودموع، ودعاء ندى لا ينقطع لخالد بالشفاء والنجاة من مرضه ومحنته حتى هدأت ثورتها وصار سيان عندها أن يمر الوقت ولا تراه أو تسمع منه، وكأن قلبها صار حجرا من كثرة الألم وتجارب الخذلان والجروح! هي دائما تتضور ألما على الجميع وقلقا من أجل معرفة أحوالهم والاطمئنان عليهم ولا أحد يكلف خاطره ويسأل إن غابت أو مرضت، قلبها أصبح ضعيف لا يقوى على كل هذا القهر والألم. تقتله كلما بدأ ينبض بحب أو مشاعر تجعل منها كائن ضعيف هش! تقتل كل ما يعيدها للحياة والتضحية التي أودت بكل أحلامها قديما من أجل الجميع! لابد أن تنسى وتعود لنفسها وتنتبه لصحتها وعملها وابنها، لابد أن تحاول إصلاح ما يمكن إصلاحه وإنقاذ زواجها وحياتها المهددة بالانهيار! تحملت ندى فوق طاقتها، ومثلت السعادة التي لم تعشها أبدا، ضحت من أجل سير السفينة ومنع غرقها، أعطت الجميع من صحتها واهتمامها،
ولم تجني سوى الخذلان والألم.
وفي آخر الرحلة اكتشفت أن حياتها كلها كانت من طرف واحد!
أحبت الجميع ولم يحبها أحدا، أعطت الكل ولم تنتظر مقابل، بل لاقت الخذلان والغدر جزاء حبها لهم، كانت تبكي وهي تردد: أعان الله قلبا كان ذنبه الوحيد حبه ووفائه!
أصبحت ندى متعبة نفسيا وصحيا، تعافر دائما من أجل التماسك
والتظاهر بالقوة، لكن تسقط دائما في بئر الأحزان والذكريات . وتخلف وعودها لقلبها وتعود من جديد ترسل لخالد لتطمئن عليه بل زادت رسائلهم
وفتح كل منهما قلبه للآخر، يشكو همومه ويضمض حزنه وغرقت ندى من جديد في حب بلا أمل وتعلق لن تشفى منه
"وإن عادوا يجرّوا خيباتهم، حاملينَ مِن العُذرِ سبعينَ وبريق الدمع في أعينهم، ودارت بهم الدنيا دهرًا طويلًا، فلا تَغفر. باللهِ كيف لكَ أن تغفر، ألا تشعر؟!"
رددت ألاء هذه العبارة ، فسألتها سلمى لماذا؟ فلتغفري يا آلاء، فالتسامح راحة لكِ من ثقل الخذلان والرغبة في الانتقام.
بكت آلاء حتى احمرت عيناها وأصبحت بلون الدم، ورددت:
-كيف أسامح من فرح بموت أبي، لقد حضر عمي وأولاده إلى عزاء أبي، بالطبول والمزمار! والله لم ولن أسامح ما حييت حتى تجتمع عند الله الخصوم!
ربتت سلمى على كتف آلاء متأثرة بحزنها وبكائها وهي تردد:"لا سامح الله الذين من فرط أذيّتهم، جعلونا ندعوا على أيامنا بأن تمضي و تنقضي، لا سامحهم الله ولا غفر لهم. ردت ندى بعيون دامعة:
- لا تحزني يا صغيرتي وأسعدي بزوجك وزفافك وتناسي كل هؤلاء، فلا شيء يستحق ألمكِ ودمعكِ، العمر الطويل لكِ، ووالدكِ رحمه الله، وعند الله تجتمع الخصوم. انتقامكِ يكون بسعادتكِ ونجاحكِ وإلقاء الماضي خلفكِ، من لا ينسى يموت تحت أنقاض ذكرياته! أنسي من يكرهكِ وتذكري فقط من يحبكِ!
في الجامعة، جلست سلمى مع ناريمان وآلاء وصديقاتهم يتبادلن الأحاديث ويجهزن لحفل زفاف آلاء، يخترن الملابس و يخططن لكل صغيرة وكبيرة، والابتسامة والسعادة تحيط بهن، لكن جاءت تلك الفتاة وعكرت صفو الجلسة بغيرتها وبثت سمها في أذنهم بألفاظ سخرية وتهكم! محاولة استفزاز سلمى للرد عليها والاشتباك معهن! و بالفعل جعلت سلمى تنفعل وتغضب وترد عليها؛ لكن ظهر فجأة ذلك الشاب- الذي رأته سلمى على الشاطيء في مرسى مطروح- ووقف بين الفتاة وسلمى، مانعا إياها من العبث والاحتكاك بسلمى! ومحذرا إياها من مضايقة سلمى مرة أخرى!
شكر الجميع الشاب، و بدا على سلمى الخجل والارتباك عندما اقترب منها هامسا:- اسمي حبيب، ويلا حظي لو أضفتي له ياء الملكية ذات يوم








































