الفصل الثالث
في منزل سلمى كان الأمر مختلفا، أسرة صغيرة هانئة، أب وأم وبنتان: سلمى وهناء، بينهم من التفاهم والحوار، والمودة والرحمة، والحنان الذي يجعل من البيت جنة.
فما إن استيقظ الجميع، أعدت الأم مائدة الإفطار وجلسوا جميعا لتناول الطعام، كان الحوار عن بدء إجازة الصيف، بعد انتهاء سلمى من معركة الثانوية، فقد حجز الأب شقة في مرسى مطروح، والسفر خلال أيام قليلة، الكل يحاول إلهاء سلمى، والترفيه عنها بعد مارثون طويل من الضغط النفسي والعصبي، وبعد فقد صديقة عمرها، كانت سلمى أكثر هدوءً من هناء التي تكبرها بعامين، فهناء مرحة، طموحة، منطلقة بحيوية وتفاؤل، مشاغبة، و تدرس في السنة الثانية بكلية الألسن، فحلم حياتها أن تصبح مترجمة، بينما سلمى فتاة عاقلة، رقيقة، رومانسية، حالمة، تستمع إلى الموسيقى، تقرأ الشعر والروايات، وتهوى الرسم، وتود الالتحاق بكلية الآداب قسم علم النفس.
ظلت سلمى شاردة، رغم محاولة الجميع جذبها للحديث، لمشاركتهم الحوار والتخطيط للرحلة، بعد تناول الطعام جذبت هناء سلمى؛ فأخرجتها من شرودها، واتجهتا نحو الغرفة وهى تردد:
- سنُجهز من الآن كل شيء، استعدادا لرحلة كل عام،
وستكون رحلة مميزة!
ثم غمزت بعينها لسلمى، وهي تهمس:
- حازم سيشاركنا نفس الرحلة، والده حجز مع أبي، ولحسن الحظ نفس الموعد، أخيرا ابتسم القدر لنا، ليته يتحدث مع أبي في أمر الخطبة، دائما يخاف ويتراجع، متى سأرتدى فستان الخطوبة، وأزين يدي بخاتم يحمل اسمه، ليته يتشجع!
هزت سلمى رأسها، وهى تحاول أن تبتسم، لكن ابتسامتها باهتة، وقلبها حزين، تستمع لأختها دون تفاعل معها، بالأمس القريب كانت تحتضنها بعيونها، وتحس بقلبها كل حرف، تشاركها فرحها وقلقها، لكن صورة فرح أمامها وهى عالقة معها في ذكريات الطفولة والمراهقة، ذكريات جعلتها حزينة دائما.
حاولت الاندماج مع هناء، قامت تجهز حقيبتها، متوارية خلف بسمات مصطنعة، وضعت الألوان وأوراق الرسم، والفرشاة، وبعض الروايات، وتلك الأجندة التي تدون فيها مذكراتها، بينما رن هاتفها لتجد صديقتها ناريمان، تذكرها بالمصيبة التي وقعت بها، وتطلب العون منها.
ناريمان، فتاة من ذلك النوع الذي تفتح فمك حين تراه في الطريق وتتوقف مأخوذا من جمالها، شعرها المموج كالذهب، وجهها الأبيض الوردي، فمها الدقيق، وقوامها الباريسي، لكنها متهورة، مندفعة، تحس بجمالها، فزادت غرورا، دخلت النت منذ ثلاث سنوات، بعد استلامها جهاز التابلت من المدرسة في الصف الأول الثانوي، وانبهرت بالإعلانات، والموضة، ومستحضرات التجميل، ثم تعرفت على فتاة اشتهرت على برنامج التيك توك، أوهمتها بأنها ستصبح نجمة سينمائية، ولكن ستبدأ بإعلانات النت، والتجربة هنا بالبث المباشر في غرف الدردشة، حيث يشاهدها نجوم ونجمات السينما والمخرجين، تحمست ناريمان واندفعت خلف الشهرة والمكاسب السريعة، وأرسلت لها صورها، فبدأت تبعث لها دعوات للغرف المباشرة، فتكسب المال من خلالها، حتى فوجئت بأحد الرسائل من شخص لا تعرفه، كان شابا ممن شاهدوها بهذه الغرف، هددها بنشر الفيديوهات على الفيس ومواقع التواصل إن لم تقابله!
أيقنت وقتها أنها في مأزق، لجأت إلى من دلتها بخبثها على ذلك الطريق البائس، فتخلت عنها، فكرت بمن تثق فلم تجد سوى سلمى!
وسلمى لا حول لها ولا قوة، لا تعلم كيف تساعد نفسها لتخرج من بئر أحزانها، هل تبلغ الأمر لوالدها أم والدتها؟! الأمر صعب خاصة وأن ناريمان جارتهم، ووالدها هاجر إلى إيطاليا منذ زمن، ووالدتها مشغولة ما بين ندواتها في النادي مع سيدات المجتمع ومراكز التجميل، تحاول نسيان نيران زواجه بأجنبية، وطلاقها منه بعد أن جرح كرامتها، والأخ الأصغر مدمن على الألعاب الإلكترونية، الكل يدور في مدار بعيد ولا مراقب لهما، نصحت سلمى ناريمان كثيرا بالحجاب، وارتداء الملابس الواسعة، نصحتها بالابتعاد عن النت والجري وراء الشهرة والمال، لكنها أبت ألا أن تجرب وتتحرر من كل القيود، أبت ألا أن تغرق في بحور الندم والحيرة التي تتطلع للخروج منها الآن! فماذا تفعل سلمى الأن؟!
بينما تفكر سلمى وجدت أبيها، يربت على كتفها بكل حب، كأنه شعر بتأجج نيران قلبها وما يدور في داخلها، ضمته باكية، كأنها تُلقى أحمالها وهمومها إليه، أغمضت عيناها آملة أن ترتاح من عناء التفكير، والدها دائما هو السند والعون والصديق والحبيب، ذلك الحب هو السحر الذي يمنحها القوة لمواجهة كل المصائب، فالحب أسرع مسكن للقلوب الموجوعة.
في مكان آخر كانت عائشة تحاول الاستمتاع بالإجازة، جلست على الأريكة وهي تستمع إلى الموسيقى الهادئة، وبيدها رواية من الروايات الرومانسية التي أدمنتها، تحاول أن تملأ الفراغ، ولا تفكر في أي شيء آخر، تحلم بفارس أحلامها الذي سيأتي بحصانه الأبيض، ويحملها معه إلى مملكة الأحلام والحب! بعيدا عن ضجيج الحياة وعبثها، فهي غارقة في أحلام اليقظة ليل نهار
خيالها الواسع تبحر فيه بعيدا عن الأرض.
هواياتها هي قرأت تلك الروايات بجانب مشاهدة الأفلام والمسلسلات الرومانسية العربية، التركية، والهندية.
وصلتها رسالة كانت من أحمد- زميلها منذ الطفولة- بينهما قصة حب، يعلم بها فقط أصدقائهما المقربين: أنا في النادي الآن، لدى مباراة هامة، دعواتك لي، سأتصل بكِ في موعدنا.
ثلاث سنوات مضت وهما على موعد ثابت كل ليلة بعد منتصف الليل، يتحدثان حتى بزوغ الفجر.








































