اقترب من الأربعين ولم يتزوج بعد رغم ثرائه وسمعته الطيبة.. يسير بين الناس جابراً للخواطر.. داعماً لهم.. يمد دائماً يد العون والمساعدة لكل سائل ومحتاج.. إذا تقابل مع الآخرين يُحسن التحية والسلام ويبتسم في وجوههم.. متواضعاً تمام التواضع.. جميل الأثر.. كلما خطا خطوة ترك أثراً جميلاً يشير إليه..
هو من عائلة عريقة ثرية وذات شأن كبير فقد ترك له أبوه بعد وفاته إرثاً كبيراً.. أحسن استغلاله بفتح مشاريع مختلفة.. استقطب فيها أبناء منطقته للعمل فيها، وأصبح سبباً في فتح أبواب الرزق لهم..
يعيش مع أمه ولداً وحيداً لها فهي لم تنجب غيره.. يريد أن يتزوج عن حب.. يريد أن تأتيه شرارة تلك العاطفة النبيلة دون استئذان.. لديه إصرار غريب في نفسه ألا يتزوج زواجاً تقليدياً.. أراد لقلبه أن ينبض لمن ستشاركه حياته..
أى بيت يتمناه ويرحب به، ولكن يبقى لقلبه الكلمة الأولى والأخيرة في اختيار من يهواها..
وذات يوم يُطرق باب بيته وكعادته دائماً لا يرد أحداً حتى لو أتوا إليه شخصياً؛ ففتح الباب وإذ به يُصعق وتأتيه الشرارة بمجرد أن رأى فتاة لا يعرفها تقف أمامه، وهي في غاية الخجل تنظر إليه في استحياء بالغ وبها حاجة عنده..
شعر بالحرج أن يدعوها للداخل؛ نظراً لغياب أمه في ذلك الوقت.. سألها عن حاجتها: فبكت وتقطعت حروف كلامها.. طلب منها أن تهدأ وتتمهل وتعرض شكواها بتمهل ليفهم منها ما الأمر؟
هدأت قليلاً وقالت له: أنها يتيمة الأب والأم وهي الابنة الوحيدة ولا تجد من يحيطها بالرعاية سوى جدتها لأمها التي باعت لأجلها خاتماً من الذهب لتشتري بثمنه شيئاً تبيعه، وتسعى إلى رزقها فاختارت لنفسها الخضروات تفترش بها الأرض، وتبدأ عملها الجديد وسط واقع مؤلم من الشباب يلتف حولها محاولاً النيل من عفتها وطهارتها؛ فلا يمر يوم إلا وتعرضت فيه إلى مضايقات لفظية، ومحاولات للإيقاع بها مستغلين أنها وحدها لا سند لها ولا مدد..
يقف أمامها لا ينصت إلى ما تقوله بل سرح فيها بخياله بعيداً يتأمل آثار شكواها على ملامح وجهها البريء.. يراقب رعشة حاجبيها من أثر التوتر البادي عليها.. تشده لمعة الدمع بعينيها من الحزن الكامن فيها.. يدقق النظر في خصلات شعرها غير المستوية وهي تتتدلى منحنية من وشاحها.. يجذبه صوتها المنغم بأنغام الموسيقى المفعم بالحيوية.
انتبهت إليه وإلى نظراته الفاحصة، وفهمت أنه أُعجب بها؛ فابتسمت واستأذنت مودعة إياه طالبة منه أن يضع لمعاناتها حلاً في أقرب وقت ممكن..
مشت، وبقي هو يفكر فيها.. لقد وجد أخيراً ما كان يبحث عنه
شعر بقلبه يدق سريعاً طالباً منه أن يتعجل لنيل الفتاة..
وما أن أتت أمه ونظرت إليه وجدته في غير طبيعته فسألته ما بك؟ وما الذي استجد فيك لأراك هكذا؟ نظرة عينيك ألمح فيها سعادة مشوبة بقلق ما
فصارحها بما حدث، وعرض عليها الأمر.. فوافقت دون تردد؛ لأنها رأت الفرحة تطل وتشع من عينيه.
سأل عن الفتاة، وذهب إليها هو وأمه، وتقابل مع جدتها، وطلب يدها للزواج فوافقت الجدة دون تردد فهو سليل الحسب والنسب ولا يُرفض، وفرحت الفتاة به كما لم تفرح من قبل واتفق جميعهم على إتمام الارتباط..
وما هي إلا أياماً وتزوج بها ليبدأ معها حياة جديدة.. آخذاً عهداً على نفسه أن يصونها، وأن يخاف الله فيها.
لم تصدق الفتاة ما آل بها الحال.. عاشا معاً في سعادة غامرة طيلة ست سنوات وأنجبت له ابنة غاية في الجمال .. لم يأتِ يوماً واحداً أن جرح مشاعرها، أو وجه لها كلمة غير لائقة، أو أهانها حتى ولو بنظرة عين..
كان يغدق عليها حباً وحناناً طول الوقت
إلا أن الملل أصابها فجأة من تلك الحياة الهانئة المترفة؛ فتغيرت معه، ولم تعد كسابق عهدها معه..
استشعر ذلك التغير المفاجئ، وأراد أن يحتويه ويعالجه بحكمة وتدبر؛ لتستمر حياته مع من اختارها قلبه، فاهتدت نفسه إلى فكرة أراد تنفيذها، وداخله يقين كبير بنجاحها..
تحدث معها دون أن يبدو عليه شيء، ودون أن يبين لها ما بداخله من هواجس تجاهها ، وقال لها:
الخير كثير والمال وفير، ونعم الله علينا لا تعد ولا تحصى،
فما رأيك أن نجلب بعضاً من الناس إلى بيتنا من أصحاب الظروف الصعبة والمتعسرة حياتهم؟ ندعوهم لتناول الغداء معنا، ونستمع إلى مشاكلهم ونحاول أن نزيح عنهم همومهم، ونكون سبباً في إسعادهم ورسم الفرحة على وجوههم حتى يبارك الله لنا ويحفظنا من كل سوء ومكروه، وافقته وقالت له: لك ذلك..
وبالفعل كان له ما أراد، وأتى الناس واستقبلهم بحفاوة بالغة، وشاركهم طعامهم.. ثم طلب منهم أمام زوجته أن يحكي كل منهم عن ضائقته، وبدأوا يحكون ويشكون...
فهذا أرهقه الدين، والدائنون يلاحقونه في كل وقت وحين، وآخر عاجز مقعد لا حول له ولا قوة.. يعلم الله بحاله،
وشاباً يريد العفاف وظروفه المادية لا تسمح، ومسناً يشكو عقوق أبنائه، وامرأة غاب عنها زوجها لسنوات طويلة في الغربة تاركاً لها المسئولية وتربية أولاده وحدها، وأماً تعاني جحود ابنها وتفضيل زوجته عليها، ورجلاً تعرض لمكيدة في عمله افقدته وظيفته، وفتاة ضاقت نفسها من أبويها خلافاتهما الدائمة، وطفلاً انفصل أبيه عن أمه فلم تجد لها سبيلاً سوى الشارع تتسول فيه نتيجة مرضها وعدم قدرتها على العمل.
استمع إليهم جميعهم وحاول جاهداً أن يخفف عليهم أوجاعهم، ويعينهم على تجاوز ظروفهم، وأعطاهم ما يقيهم شظف العيش، ومر الحاجة والسؤال..
رفعوا أيديهم إلى السماء، وانطلقت ألسنتهم بالدعاء له ولزوجته، وأن يزيدهما الله من واسع فضله وكرمه
خرجوا من عنده ممتين لجميل صنعه معهم،
وانفرد بزوجته سائلاً إياها: أرأيتِ ما هم فيه، وما نحن فيه؟!
إنهم يعانون، ونحن نعيش حياة الرغد والرفاهية،
حياتنا أفضل منهم، وبالرغم من ذلك أراكِ غير راضية وأنا لم أسيء لك يوماً..
اخترتك دون نساء العالمين وأسكنتك قلبي وعقلي
إذن لماذا تغيرتِ معي وأنا أخشى الله فيكِ؟
ردت عليه قائلة: لأنني لم أذق معك طعم صعوبات الحياة..
لقد سهلت علىَّ كل شيء، وأنا امرأة قبلت بك زوجاً لي لأتقاسم معك الحياة بحلوها ومرها، ولأشاركك أفراحك وأتراحك .. أريد أن يعلو صوتك علىَّ وقت غضبك وانفعالك وأن أرى تعنيفاً لفظياً منك عن خطأ قد فعلته أو ذنب قد اقترفته..
شعرت معك وكأنني تحفة فنية ضمن مقتنياتك الشخصية اشتريتها بمالك لتملكها وأنا لست كذلك..
أريدك أن تشعرني بضعفي..
لا أريد المزيد من الراحة.
أنت أكرمتني وآويتني، وقدمت لي كل سبل السعادة، ولم تهني، ولم تخطئ في حقي مرة واحدة.
أنا لا أقلل من شأنك أبداً بل قلت لك ما بداخلي حقاً وصدقاً..
أحببتني بصدق، وأدخلتني قلبك الطاهر،
ولكن قلبي لم يدق لك..