ماذا لو هبت عليك فجأة ثروة من السماء لم تخطر لك على بال، ولا كانت ضمن حساباتك؟
حصلت عليها مثلاً من فوزك بإحدى المسابقات الكبرى، والتي شاركت فيها ضمن ملايين من المشاركين، وجاءت القرعة من حظك ونصيبك..
أو كنت الوريث الوحيد لطرف ثري من أهلك قد وافاه الأجل، ووصى قبل وفاته بأن كل ما يملكه لك أنت..
أو أحدهم منحك نصف ثروته الكبيرة نتيجة إنقاذك له من موت محقق كان سيودي بحياته..
أو لأي سبب من الأسباب تفاجئت بأنك أمام مبلغ كبير من المال تحت إمرتك وفي حوزتك.. ماذا أنت بفاعل أمام هذا الأمر إن حدث لك دون ترتيب مسبق..
فكرة واتتني وسألت نفسي مثلكم: كيف يمكنني ويمكنكم أن نتصرف حيال هذا؟
عندما نجد أنفسنا قد تحولنا من العدم إلى الوجود، أو من الفقر إلى الغنى، أو من المعاناة إلى الارتياح والاكتفاء، أو من ضغوطات والتزامات في الحياة أثقلت كاهلنا نصارع من أجل تجاوزها وإنجازها إلى شعور بالانشراح وسعة في الصدر من بعد قيود كانت تكبلنا..
لا أنكر أن الحيرة أصابت تفكيري، وأرقت مضجعي، وشعرت بفوضى عقلية تدور في رأسي، وأحسست بمسؤولية كبيرة مُلقاة على عاتقي وجاثمة على صدري.. مسؤولية ثقيلة يجب تحملها..
حقاً الأمر مُحير بل يدعو إلى القلق.. ليسألني أحدكم: ما المشكلة في ذلك؟
أنتم ترون أن الموضوع بسيط، ولا يستحق ولا يستدعي كل هذا التوتر والتشتت والخوف من إدارة هذا الطارئ الجديد وما فيه من عمليات حسابية قد ترهق الذهن؛
فوجود وفرة كبيرة من المال في يدك ستجعلك تبدأ أولى خطواتك في طريق ما تتمناه وترغبه نفسك؛ فتُبدِّل من حالك، ومن حال والديك وأهلك وبيتك وأولادك، وستغدق عليهم مما أعطاك الله ورزقك به،
وستبدأ رحلة حقيقة نحو السعادة..
كنت تنشدها وتتوق إليها، وكانت ضمن أحلامك..
ستبدأ البحث عن وسائل الراحة والرفاهية، ستأتي بألوان زاهية ساطعة ترسم بها حياتك من جديد، وتسافر حول العالم استمتاعاً واستجماماً، وتسكن القصور، وتقود أحدث السيارت، وتأكل الكافيار وأطايب الطعام، وتشتري يختاً يصول بك ويجول في عرض البحر، وستفتح المشاريع هنا وهناك، وتستثمر أموالك في العقارات، وتمد يد المساعدة إلى الآخرين بل وتتبرع إلى الجمعيات الخيرية..
هذا هو الطبيعي الذي يتجه إليه تفكيرنا،
أما غير الطبيعي، والذي يَخفى عليك، وربما لا تنتبه إليه..
هو تغير مَنْ حولك؛ فالعلاقات الاجتماعية ستأخذ شكلاً آخر مغايراً عن ذي قبل، وستزيد توطداً.. ليس حباً فيك وإنما حباً في مالك.. سيقترب منك البعيد، وسيضحك في وجهك ما كان عابساً بالأمس، وسيلتف الناس من حولك، وتكثر عروضاتهم، وطلب مشاركتك في بعض الأعمال والتي من منظورهم تحمل أفكاراً ورؤى جديدة.. ستجد في ظاهرهم ابتسامة وبشاشة وجه مصطنعة لم تعهدها فيهم.. بينما باطنهم يحمل كرهاً وضغينة لك، وحديثهم عنك، وعن ما آل به الحال معك، وستلوكك ألسنتهم فيما بينهم بكل ما لا تحب سماعه تماماً كعلكة تمضغها في فمك يميناً ويساراً دون سأم..
عليك أن تخاف من نفسك؛ فيغريك المال ويغيرك، ويُبَدِّل عدلك ظلماً، وتواضعك كِبراً، وصدقك كذباً ونفاقاً، وإحساسك بالآخرين إلى أنانية مفرطة، وحركتك تباطؤاً وكسلاً.. فهذا يحمل عنك حقيبتك، وهذا يقود سيارتك، وهذا يقدم إليك طعامك.. وما إلى ذلك... فالكل طوع أمرك ورهن إشارة من يدك..
عليك أن تخشى من ذهاب صحتك وعافيتك..
عليك ألا تأمن مكر المقربين منك وشرور أنفسهم ومكائدهم التي يحيكونها لك في الخفاء..
عليك أن تخاف أن يذهب عزيز لديك كنت تحبه من قلبك..
عليك أن تخشى من الغد وما فيه من غيب لا يعلمه إلا الله.
للمال قوة وسطوة وبريق لامع يُذهب العقول..
بحفنة من المال تشتري ذمماً، وتحول الباطل إلى حق والحق إلى باطل..
أمام نفوذ المال وسطوته هناك ثوابت ومبادئ لا يحيد عنها أصحابها، ولكن جُل ما يحدث في الواقع يتحفنا كل يوم بقوة المال وتأثيره في نفوس البشر..
عليك أن تفزع إذا كثر المال بين يديك وتعددت أصفاره أمام رقم صحيح..
ويبقى السؤال الأهم:
هل بعد كثرة المال ستفقد شهيتك إلى الحياة والإقبال عليها بعد أن تتذوق كل ملذاتها؟ وهل سيكون الفراغ حليفك؟ وهل سيسيطر عليك شعور الملل بعد كل ما سيحققه المال لك من متعة ورغد في العيش؟
أسئلة تطرح نفسها
المال رغم أهميته يبقى وسيلة لا غاية
المال يشتري كل شيء إلا الصحة، وراحة البال، وحب الناس..