هذه ذكري من ذكريات مرت بي علي أرض مصر التي لو كان لها أن تتكلم لصرخت بنيران الغضب في وجه عصابة لا تعرف معني للوطنية ولا تعرف قيمة لتلك الأرض التي شاء القدر أن يتسلطوا عليها ...
منذ عدة سنوات كنت أعمل في أحد الأجهزة التي حسدني كثير ممن حولي علي العمل فيها ، وذات يوم تلقيت من إدارتي أمرا كان هو الأخير من نوعه بعد تلك القصه وكالمعتاد منذ بضع سنوات كان الأمر بالتوجه في الخامسة صباحا إلي مقر العمل ومنه إلي قصر رئاسة الجمهورية حيث في صباح ذلك اليوم سأبدء العمل هناك حتي إشعار أخر ، نفذت الأمر بعد سلسلة مكررة بشكل سخيف من التعليمات والمحظورات والممنوعات علي رأسها عدم الإفصاح لأي شخص مهما يكن عن مكان وجودي أو طبيعة أمر التكليف ... ، توجهت للقصر الرئاسي وسلمت نفسي للقيادة التي سأعمل معها وكان من بين هؤلاء تلك المرأة التي كانت مقربة جدا من بعض رجال القصر والتي كان من المفترض أنني تحت قيادتها منذ تلك اللحظه حتي نهاية أمر التكليف ، ورغم أنني محنك في معاملة النساء إلا أنني فشلت في فك طلاسم العمل مع تلك العجوز اللعينه !! جو من الهدوء المصحوب بضغط مكثف في العمل والذي كان يتجاوز في كثير من الأحيان السبعة عشر ساعة في اليوم يتخللها استراحة لمدة ساعه ، استمر هذا الوضع لمدة ثلاثة أشهر حتي مساء ذلك الخميس وفي هذا المساء أبلغنا أحد الاشخاص بأننا سنبدأ العمل غدا في الساعة العاشرة صباحا ، رغم أن غد هذا هو يوم الجمعة ، ذاك اليوم الكريم الذي لا احب العمل فيه ولكن قلت لنفسي صبرا جميلا نظرا لطبيعة الظروف وحساسية المكان ، وجاء يوم الجمعة وبدأنا في العمل حتي سمعت قرآن الجمعة فاستأذنت للصلاة من تلك المومياء التي أكل عليها الدهر وشرب وكانت جالسة جواري كخفافيش الظلام ، فبادرتني بقول صلاة إيه إحنا في شغل صلي هنا وخلاص ! ظننت أنها مصابة بالزهايمر أو أن ساعتها البيولوجيه معطلة فقلت لها عفوا ولكنها صلاة الجمعه ، فبدأت تنفعل وظهرت عليها علامات إنفلات عصبي وقالت لي مفيش جمعه ولا صلاة إحنا في شغل والعمل عباده ثم بدأت نبرات صوتها تعلو بما لا أفهمه من كلمات ،وعلي الرغم من كوني شخص حاد الطبع متقلب المزاج إلا أنني تحركت بهدوء وقمت بغلق جميع الأجهزة التي أعمل عليها نهائيا وقلت لها للأسف ساذهب للمسجد فعذرا وتوجهت للخروج من القصر فصرخت في وجهي وقالت ساتصل بالدكتور ذكريا عزمي حالا وسأخبره بتعطيلك للعمل ، فقلت لها عليك أن تتصلي بحسني مبارك ربما ينفعك ، ثم خرجت وتبعني بالخروج بعض ممن كانوا يعملون معنا ومنهم أحد أكبر مساعديها علي مرأي ومسمع من بعض رجال القصرالحاضرين بطبيعة الحال مما اعتبرته تلك المجنونة تحديا شخصيا لكبريائها الذي يعاقب عليه ( القصر ) حتما ... !! ، ثم دارت مشكلة استمرت لمدة ثلاثة أيام كان أهم نتائجها إنهاء خدماتي من القصر وعودتي إلي مكان عملي ... ، خرجت من القصر بصحبة سائق من الجهة التي أعمل بها ، رجل صالح بادرني ببعض كلمات في مجملها يحاول مواساتي فوجهة نظره تقول أنني حتما في مصيبة ولا أدرك إلي أين ستأخذني ، إبتسمت في وجهه قائلا يا عم الحاج الخروج من القصرأفضل علي كل حال من الخروج من الدين ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) ... ، كنت علي يقين بأن المشكلة لن تتعدي في أسوء الأحوال ما حدثي ، بدأت بعدها سلسلة من المضايقات اشتدت وطأتها منذ ما يقرب من خمس سنوات حين بدأت آرائي السياسية تتضح بما لا يدعو مجالا للشك وحين أصبحت عدوا يجب الخلاص منه ، بعدها حدث ما جعلني علي يقين أنني في معركة خاسره ، قررت أن أرحل بعدها عن أرض مصر !!
لم أكن يوما إسلاميا بالمعني التصنيفي للكلمه ، ايضا لم يكن صاحب القصر علي علم بي وكذا رئيس ديوانه !!
فقط هكذا كان يدار القصر ، ولسان حالهم يقول : من اراد أن يتشرف بالعمل معنا فعليه أن يتخلي عن كل شيء إلا الولاء لنا
لامبدأ ... لاحلال ... لاحرام في هذه الحياة إلا ما نقره وعلي الجميع السمع والطاعه ...
اليوم فقط أتذكر تلك الأيام ... تلك الأشخاص ... أتذكر مصر ...... وأخيرا أتذكر كلمات المغفور له الأستاذ عبدالوهاب البياتي
داروا مع الشمس فانهارت عزائمهم ..... وعاد أولهم ينعي علي الثاني
وتلعب الصدفة العمياء لعبتها .... إذا ما عاد أولهم ينعي علي الثاني
ربما يكون للحديث بقيه
محمود صبري