فركـت "آزاد" عينيها مرارًا، مـادت بهـا الأرض وكأن الكون يرقص من حولها، رعشـة بـرودة سـرت في أطرافهـا، لم تستوعـب كـل مـا عرفت، كـل مـا قـرأت لم يكـن ليمـر على خاطرهـا يومًـا، طالعت بالصدفة البحتـة مذكِّرات حبيبها الأوحـد، غـاب عنهـا أسبوعًـا كامـلًا فـزارتـه تفتش في عينيـه عن سبب تغيُّبـه، كانت أسـوأ إحتمالاتها أن مكروهًـا أصابـه أو أقعـده مرض، قابلها وقد أنهكه السهر لليلتيـن متواصلتين يُسجل أحـداث روايتـه الجديـدة على حاسوبه الشخصي، قـبَّلها بشـوق جــارف؛ فتـأذت من شعيرات ذقنـه النافـرة التي تـُلهب وجهها المرمري؛ اعـتـذر،غادرها مسرعًـا إلى الحمام ليستحـم ويحلــق تلك الذقـن اللعينة التي أصابتها بالحساسية وتوقف معها سيـل قُبُلات أراد أن يُمطرها بــه، أسرع يُنفـذ حكم إعــدامٍ للذقـن تُحرِّكه لـوعـة ولهفـة إلى اللحظة التي يضمها فيها إلى صدره بقــوة ليُقـبلهــا بتوغـلٍ وعنفـوان ونســي إغـــلاق حاسوبـه، تحرَّكــتْ أصابعها على لوحة المفاتيح يُحركها فضـول أنثــى عاشقــة لرجــل تنتمــي إليــه، أرادت أن تعرفه أكثـر، أن تسافـر إلى نبضات عقله وأروقة خيالـه، تمنت أن تقــرأ بضع سطـور من روايتـه الجديـدة "طـــوق الياسميــــن" التي شغلتــه عنها سبـع ليــالٍ متواصلــة، أخبــرها أنها بطلـة تلك الروايـة، وعلى قــدر الأمـل الذي حرَّكها لتفتح ملفات آدم جاء الألــم يُصارعها ويعــدو نحـوها مع كل سطـر قرأتـه عيناهـا الناعمتـان..
أنفاس أخرى استجمعتها لتمنحها القدرة على مواصلة القـراءة، دموعها تهطل بينما تحاول جاهدة لملمة آشلاءها حين أيقنـت بشاعتـه وأيقنـت معها استحالة استمرار أية علاقة إنسانية تربطها به، إنها لا تريـده كما وجدتـه، بل تريـده كما عرفتـه، كما شعرت به وتنبَّهت حواسها عليـه، لقد غــدر بها بوضاعته وبشاعة دواخلــه، لا يعنيها ندمه العاطفي ولا شعوره الذابـل بالذنـب حيال سنوات مضت من عمره كان فيها شيطانًــا بل إلــه الشياطيــن، غضبت بعُمق لأجل إيمــــا وجيرميـــن وشـــادي، غضبت لأجل أنـاس لم تعرفهم ولم تقابلهم من قبــل، تجاهلت حكاياتهم مع آدم ولم تقتنـع بذنوبهم التي استوجبت خلاصه منهم، لم يواجههم آدم، لم يسمع، لم يناقش، بأي حـق أصدر حكمًـا واجب النفـاذ بالخلاص منهم؟، حتى حادثة جيرمين وعُمـر التي لم يدبرها آدم فعليًـا لكنها رأتـه متورط بها ومسئول عنها إلى حـد بعيـد، فكيف سمـح لنفسه بقيادة السيارة بهذه السرعة الرهيبة وهو مخمـــور، منتشـي بصرخات زوجته وتوسلاتها؟!
ولأشد ما آلمها أنها مع كل ما عرفتـه لم تستطع أن تكرهـه رغم أنها صارت تحتقـره بامتيـــــاز، كانت وحدها ملجـأه وكأنها تعرف كم عانـى قبلها، تحبـه بكل جوارحها وكأنها ولـدت فقط لتعشقـه، ولكن هل تُكتـب للحــب حيـــاة في رَحـِــم المــــــوت؟..
" ليتني أتعلَّــم كيف أثمـــل... كيف أنســى ما قـــرأت، لقد انفجــرت مسامــي من الحـزن والألــم حين طالعتُ سطــور مذكراتِـكَ وياليتني ما طالعتهـا، لقد انهـدم عندي سَــدُ الثقــة وتمزَّقت في عقلـي ستائــر النسيــان، وها هي الذاكرة اللعينة تفاجئني يوميًــا في يقظتـي ومنامـي، تصفعني بِسطـرٍ من سطور ملحمتـك الناريـة الداميـة، تركض بي كلماتك القاسية إلى قـارة ماضيك العكـر دونما رحمة وتُلقـي بي هناك على أرض الجمـرالمغطاة بمستنقع لـذَّاتــك القـذرة، أسمع صرخات إيمــــا وعويـل جيرمين وأنيــن شــادي وبكـاء عُمـــر، أعجـز عن البكاء وأعجـز حتى عن الإبلاغ عنــك، سأرحل بعيــدًا علَّنـي أستطيع أن أنســاك، يغمرني خوف رهيـب من مجرد فكـرة غيابـي عنك، لكني أتمناهــا لأستعيـد إنسانيتي وسلامي الداخلي، لم يعُـد بوسعي أن أحب رجلاً ولم يعُـد يمكنني أن أنــام على صـدرغيـر صدرك الدافـئ رغم شــره، لا شيء يمكنه تدفئتـي كما تفعل أنفاسك الساحرة الملتهبة رغم خُـبثِها، سامحنـــــــي، فلم أعُـد أصلح أن أكون امرأة تحبكَ أو تحب سواك، سأنتحـرعلى طريقتي، سأنتحـر ببطء حين أبتعـد عنك وأقـذف طوق ياسمينك في الفـراغ، حقًّـــا أشعــر براحة تغمرني لقـــراري هـــذا، "وداعًـــــــا"..
كانت تلك السطور رسالتها الأخيرة له، أرسلتها كطردٍ بريـدي في مُغلَّـف مغلـق مكتوبة على ورقة صفراء، لون الورق الذي يحبــه، وفي نفس الطرد علبة مربعة من القطيفة السوداء تحمل بين ضلفتيها عقـدًا ذهبيًـا تتوسطه قلادة ياقوتيـة نُقـش عليها الحرف الأول من اسميهما، حتى الحرف الأول قد تشاركا فيه، ذاك العقد الثمين الذي أهداها آدم إيـاه في أول عيد ميلاد لها بعد أن غرقـا معًا في بحـرالغرام وسألها برجاء ألا يُفارق عِقـده جِيـدهـا أبــدًا، وهاهي تخلعـه راضية حزينـة تأكلها لوعـــة
حرصت على أن تصله رسالتها بينما تحلق هي في الجـو تُقيــم له في قلبها مراسم تشييع أخيرة تضع فيها نرجسة بيضاء لتنمـوعلى أعتـاب عقلها، رحلت وقد تركت له البلـد كله هاربة مِن حُـب سيُنهيها ولن ينتهي، فـرَّت من عشـقِ رجـل هولها وطن وهي دونه لاجئة لا هويـة لها، يرافقها الوجـع الذي لا شفـاء منه، وليكُـن الصمت هو الشيء الوحيـد الذي تمتلكه بعدما جرَّدها العشـق من كل شيء حتى من طــوق ياسمينهــا الذي عشقتـــه..
أما آدم فقد أضحى عاشقًـا ينتظر غائبًـا لن يعـود، يراقب أوراق الخريف المتساقطة في قلبه أملًا في ورقـة تحمل له ربيعًـا تأخـر، يكتب أحلى القصص ويسطر أروع الروايات يُهديها جميعها إلى "آزاد" الحـُرة، سيـدة قلبـه سائـلًا إياهـا أن تغفـر له وأن تصفـح عنـه، لكنَّها تبقى مجـرد حكايات حارقـة ترجـو صبحًـا آخـر لا يأتــــي..
سنوات والولهـان يُـذيِّـل رواياتـه بـذات العبـارة " ومـا كُحـلُ عينيـكِ إلا سياجًـا يُحيـط بثـورة اشتعلـت في قلبــي آزاد، ألا تغفـــري؟"