بسم الله الرحمن الرحيم
القصة مستوحاة من أحداث حقيقية
يوم 25 أبريل 2025، الساعة 7 ونص الصبح بالظبط عيني فتحت عالآخر....
غريب موضوع الساعة البيولوجية ده، في لحظة تبقى غرقان في النوم واللحظة اللي بعدها عنيك وحواسك كلها تتنبه، وتبقى فايق عالآخر، جسمك متبرمج على جدول معين، على الروتين اليومي بتاعك....
بعد ما فتحت علطول المنبه رن وقمت أقفله....
"عزيزة" كانت لسه نايمة جنبي، قلت أسيبها ربع ساعة، لو مصحيتش ابقى أصحيها، سخنت الكاكاو لبنتنا اللي عندها 16 سنة، اه، ما هي لسه بتحب الكاكاو السخن، ده المشروب المفضل عندها، لازم أول ما تفتح وبعد ما تغسل سنانها يكون جاهز، ترجع سريرها تشربه على رواقه وبعدين تبدأ يومها....
عملت الكاكاو وحطيته على الكوميدينو جنبها، ومشيت إيدي على راسها وأنا بلعب في شعرها كالعادة، قامت وهي مبتسمة، في عنيها نظرة الحب ليا، أحلى نظرة....
يا ترى هتعرف؟ متوقعة مفاجأة عيد ميلادها؟ كل سنة ببقى خايف أتكشف، وبحاول أبقى مبدع أكتر عشان متحسش إننا عاملين ليها حفلة...
وبكده اخترت مقولهاش "كل سنة وإنتي طيبة"، كإني نسيت تمامًا...
أخدت دش، مسحت المراية من البخار وبصيت على وشي، ابتسمت لنفسي في رضا، كل حاجة ماشية مظبوط، أحسن من اللي عايزه كمان، مش بس راضي أنا كنت فخور بنفسي....
أهم حاجة عندي هي سعادة مراتي وبنتي، كل الناس تشهد بده، من عيلتي وعيلة مراتي والجيران اللي بيحبوني وبيثقوا فيا وبيشوفوا إني الزوج والأب المثالي، بتدخل في مشاكل الجيران طبعًا بتصريح منهم، وبعمل اللي ربنا يقدرني عليه عشان أصلح ما بين المتخانقين، سواء في المسائل الشخصية، أو المشاكل اللي تخص العمارة والحي، معنديش عداوات مع حد، مش بحب الحوارات....
متجوز "عزيزة" من 6 سنين، وعمري ما زعلتها، ومش بستنى المناسبات عشان أجيبلها هدايا، ده كل قبض بنزل أجيب حاجة دهب أو اللي ربنا يقدرني عليه....
25 أبريل 2025، 8 ونص الصبح أنا اتقتلت.....
نزلت الجراج مع "عزيزة"، وصلنا للعربية، فتحتها بالريموت ولسه بمد إيدي أفتح الباب لقيت إنعكاس لراجل ورايا، ملامحه كانت غريبة، مش واضحة، ماسك بلطة في إيده، شفته نازل بيها على راسي من ورا، وده آخر مشهد شفته....
...................................
لأ، مش هي دي القصة....
أنا فقت على تدليك بابا لراسي ولعبه في شعري، ابتسمتله وفضلت باصة ليه شوية من غير كلام، كوباية الكاكاو كانت جنبي، قمت براحتي، دخلت الحمام ورجعت شربت الكاكاو على رواقة وبدأت استعد للمدرسة، بابا وماما سبقوني لشغلهم، وأنا فتحت الشباك وشغلت الراديو وسمعت أم كلثوم، قديمة أوي أنا، عارفة، بس بحب الروتين ده وأنا مستنية باص المدرسة...
وأنا بسمع الأغنية ومندمجة، في صوت غريب دخل على الموجة، صرخة رهيبة، مكنتش عارفة أميز مصدرها لحد ما الصرخة اتكررت، المصدر كان الشارع!
بصيت بفزع بره الشباك، لقيت ست بضهرها قعدة بتصرخ بهستيريا ، الست دي كانت أمي....
مدرتش بنفسي، أخدت السلم كله في كام خطوة، كنت أسرع من الأسانسير، حوالين ماما كان في دواير ودواير من الناس، كإننا في مولد ولا عرض مسرحي، الباص جه في نفس الوقت، حد من اللي جوه فتح الباب، وبدل ما أطلع أنا، زمايلي والمدرسين والسواق نزلوا يشوفوا في إيه، أخيرًا قدرت أوصل لماما، كنت بنزل تحت إيد ده وأمشي ما بين دول لحد ما وصلت، هدومها كلها كانت متغرقة بالدم، وإيديها ووشها، إيه اللي حصل لماما؟ ليه كل النزيف ده؟ إزاي لسه قادرة تقف على حيلها؟
وبعد دقايق استوعبت، ده مكنش دمها.....
بالعافية قدرت أطلع منها كام كلمة وسط التخاريف اللي كانت بتقولها:
= دبحه، نزل بالبلطة على دماغه، وطلب مني بعدها أديله كل اللي معايا، أخد...أخد المحفظة والعربية ومشي...
هو مين ده؟ وبابا فين؟ دماغ مين؟
ركزت ولقيت خط تاني للناس، زي خط سير النمل المتجمع على حتة عسل، الخط كان ممتد للجراج، مشيت وراه، ماما انتبهت لحركتي وزعقت:
= لأااااااااااا.
اتجاهلتها وكملت لحد ما وصلت ، كان المكان المخصص لعربيتنا في الجراج، العربية مش موجودة ومكانها بابا ممدد على الأرض وحواليه بركة دم، المصدر دماغه، اللي فيها شق عميق....
ده مش بابا! بابا كان لسه عايش من دقايق، كنت سامعه صوته بيتكلم مع ماما وقبلها شفته، جابلي الكاكاو ولعب في شعري، اللي قدامي ده راجل غريب، جثة من غير حياة، بابا حي، حي....
.....................................
كل الكلام عنه بيستفزني، الشرطة اللي جت، كم الرجالة الغريبة ببدل بيحققوا في موته، تحقيقهم معايا، نظراتهم اللي مليانة شفقة، ونبرة صوتهم، سواء متعاطفين ولا شاكين ولا راسمين وش خشب....
واحد حرامي قرر ينزل جراج العمارة دي، دونًا عن باقي العمارات ، لقى ماما وبابا في وشه وقرر إنهم يكونوا ضحاياه، قتل بابا عشان يخوف ماما كفاية وتسمع كلامه من غير ما تجادل، هي دي الرواية الرسمية.....
واللي زاد استفزازي الكلام عن الدفنة بعد التشريح والعزا، دفنة مين وعزا مين؟؟ بيتكلموا عن مين دول؟ أبويا؟؟؟
هيعملوا فيه كده؟
غمضت عيني لدقايق وشفته، كان لسه عايش، حكيتله عن حلم بشع، إني بس غمضت عيني بعد ما كنت فقت وابتسمتله وهو بيلعب في شعري وشفت ماما بتصرخ وجثة وحرامي قتل وهرب وتحقيقات ودفنة وعزا وفوضى...
فتحت عيني ولقيت الفوضى هي الواقع، والمفروض أستعد عشان أروح الدفن...
أحسن قرار ماما أخدته هو إنهم مينصبوش خيمة عزا أو يعملوا عزا في جامع أو دار مناسبات، العزا هيكون في البيت، واللي ساندها في القرار ده صاحب بابا الأقرب، عمو "شريف".....
ومع ذلك الوضع كان جحيم....
كمية ناس جت تعزي، يوم ورا يوم ورا يوم، وصلنا ل4 يوم والزحمة مش بتخف، عشان المرة دي مش موتة عادية، اللي جايين متقسمين ما بين معزيين وبين فضوليين وبين معزيين فضوليين، وفي منهم زوار بيتكرروا، زي جيراننا، اللي مشافوش من بابا غير كل خير، ومستنكرين إن في حد ممكن يعمل فيه كده....
الحمد لله على نعمة عمو شريف، صاحب بمعنى الكلمة، معرفش كنا هنعمل إيه لو مكنش موجود، كان ييجي في وقت معين من كل يوم يوزع المعزيين بشياكة ويمشي معاهم هو ومراته عشان نستريح أنا وماما....
في اليوم الرابع وكالعادة كان في سيل من الناس، دخلت المطبخ أساعد الست اللي بتعمل لنا المشاريب وبتساعدنا في البيت، أو بمعنى أصح أهرب من الزحمة، عمو شريف دخل يتطمن عليا، نسي موبايله وخرج....
في رسالة واتساب جتله، الموبايل بسببها نور وبان على الشاشة الإشعارات، غضب عني لمحت، كان في رسالة شدت انتباهي، مش الرسالة اللي كانت لسه جاياله، رسالة تانية من....بابا....
معرفش ليه الرسالة شدتني، واضح طبعًا إنها اتبعتت قبل ما بابا يموت، كان في إيموجي شيطان، كذه شيطان ورا بعض ومكتوب جنبها "لو كنت أقدر أعمل أكتر من كده كنت عملت"....
استنيت شوية وبعدين مقدرتش، استسلمت للوسواس، اتسللت لأوضة بابا وماما وأخدت اللاب توب بتاعه، روحت بيه على أوضتي وقفلت الباب وفتحته....
جربت أفتح الواتساب ويب وفتح معايا، دورت على رسايله مع "عمو شريف"، قلبي كان بينبض جامد، كان عندي إحساس قوي إني على وشك أشوف حاجة تصدمني، وده اللي حصل....
لقيت كلام غريب، فضلت أجيب في اللي قبله واللي قبله واللي قبله لحد من 10 شهور فاتوا، بعد شهرين بالظبط من مقابلة بابا لعمو شريف، شهرين من بداية الصداقة اللي اتطورت بسرعة....
أول رسالة غريبة كانت بتقول "شريف صحيح أنا مش عارفك من كتير، بس ارتاحتلك جدًا وحاسس إني أقدر أفضفض معاك بأي حاجة، إحنا وصلنا لمرحلة مع بعض في علاقتنا أنا و"عزيزة"، مش عارف أوصفها، هي بتستفزني وبتخليني أضطر أعمل كده، بفقد الوعي، بلاقي نفسي بضربها، ضرب مش عادي، لحد ما للأسف بتسببلها في كدمات جامدة، أنت أول واحد أقول له، محرج أتكلم مع أي حد تاني، ولا حتى حد من أهلي وصحابي، كل الناس شايفين لينا صورة مثالية، إننا سمنة على عسل، وده برضه صح، في كتير من الأوقات، في أوقات تانية لأ، كإننا على حلبة مصارعة، هي تستفزني بكلامها وتصرفاتها وأنا أهجم عليها كإني وحش وأاذيها....."
عمو "شريف" مردش عليه علطول، شاف الرسالة ومعلقش، تاني يوم رد وقال له "ولا يهمك، تقدر تتكلم معايا وتفضفضلي، متقلقش مش هقول لحد"
ودي بس كانت البداية، الرسايل من وقتها بقت أغرب وأغرب...
"أنا مقلتش كل الحقيقة، اه بحس بالذنب لما بضربها، لكن مع الإحساس ده، في إحساس تاني، متعة، بحس بمتعة رهيبة بعد ما أضربها وكل ما ألمها يزيد وشكل الخبطات تبقى أصعب كل ما المتعة تزيد، أنا عارف إنها عادة مش ولابد، هي بس لو تبطل تستفزني...."
وعمو شريف بدل ما يعاتبه كان بيريحه! وكإنه كمان موافقه على أنها مستفزة! إن كل الستات مستفزين ويستاهلوا اللي يجرالهم....
"بصراحة أنا مش بحس بالذنب خالص وبتلكك عشان أضربها، "عزيزة" مش سهلة، دايمًا حاسس إنها ست صعبة، لئيمة، مش طيبة زي ما يبان، على الرغم إنها مش يتعمل أي حاجة تضايقني، وأي حاجة بطلبها بتنفذها، لكن مش بقدر أتحكم في نفسي، إن مضربتهاش ضرب جامد وشوفت نتايج وسمعت أنينها مش بحس إني مرضي، فاهمني، أنا حتى في يوم رفعت الموبايل وصورت عنيها الوارمة من ضربتي، لكن مقدرتش أحتفظ بيها، مسحتها في نفس اليوم"
"شريف" رد عليه:
"ومسحتها ليه، كنت خليها شوية، أنا برضه بحس بالرضا لما أشوف مراتي متهانة في أي موقف، زعلها وتعبها وقهرها بيبسطني، مش بتجرأ وأضربها كتير، من وقت للتاني عشان لسانها فالت منها وبتاعة فضايح"
بابا رد:
"بعد كده مش همسح الصور، هخليهم شوية، هعملهم ألبوم حتى، تعرف، في يوم "عزيزة" كانت واقفة في البلكونة بتنشر الهدوم، كانت مايلة جامد بجسمها على السور، أكتر من نصه بره، لو بس زقيتها زقة قوية كانت انتهت ومحدش شك فيا، وقفت أراقبها وهي بتنشر وبتخيل إني بعمل كده، حسيت بنشوة رهيبة بتجري فيا بس طبعًا كلها أفكار، التنفيذ حاجة تانية"
"إياك يا "لؤي"، إياك دماغك توديك هناك، عايز تنفذ، نفذ بره دايرتك، متوديش نفسك في داهية، مين عارف يمكن أعملها معاك، أهو ننفس عن اللي فينا، متهيألي هتفرق معانا، كتير براقب العُملا في البنك وأنا ببتسم، فاكرنني برحب بيهم، وأنا جوايا بتدور أكتر الأفكار المظلمة، بتخيل إني بعمل معاهم كل حاجة تأذيهم وفي الآخر بخلص عليهم، طبعًا بتكلم عن الستات، بس لسه....لسه مجاتليش الجرأة ولا الفرصة، وأنت متتهورش"
اللي بعده بقى حاجة تانية خالص.....
بابا بعت صور لماما وهي نايمة، صور لجروح وكدمات، مش مرة واحدة، مرات كتير، وكل مرة يحكي إزاي اتصابت بالجروح دي، بيشرح بالتفصيل، وعمو شريف بيشاركه، بيبقى مبسوط زيه!
إسمه إيه ده، مش فاهمة؟؟؟؟
إزاي بابا كان بيعذب ماما؟؟ وإزاي كان بيتبسط من ده؟ وإزاي حد يشاركه الفرحة؟ بابا وعمو شريف؟ أكتر ناس طيبين شفتهم في حياتي؟ بابا اللي مفيش حد بيقول عليه كلمة وحشة؟ كل الناس بتحبه، كل جيراننا بتحلف بأخلاقه؟
خلصت الرسايل اللي كان آخرها إمبارح، حسيت إني بطني وجعتني، قلبت، عايزه أجيب كل اللي فيها، إيه القرف ده؟؟؟؟؟
متنبهتش لوجوده، عمو "شريف"! كان واقف ورا شاشة اللاب توب ومن نظرته فهمت إنه عرف ببص على إيه، أكيد مميز اللاب توب بتاع بابا...
-إسمعي يا "كاميليا"، إنتي مش فاهمة.
انتفضت من السرير وزعقت فيه:
-إبعد عني!
-صدقيني، إنتي مش فاهمة، أنا هفهمك.
-إببعد عني يا مريض.
هو ده اللي استوعبته على الأقل في المرحلة دي، إنه مريض هو وبابا، لأ، مش بابا، ده مش أبويا، نرجع تاني لمرجوعنا، للبداية، لما كنت رافضة أعتبره أبويا، وكان عندي حق، في الحقيقة ده جوز أمي.....
........................................
كان عندي 8 سنين، عد ما تمتهم بشهر واحد قمت أدور عليه، على بابا، لكن ملقتهوش، استغربت عشان ده كان يوم أجازة، راح فين بدري كده؟
لقيت ماما قعدة مربعة، بتهز نفسها وتفقر والدموع بتنزل من عنيها اللي مفتحة عالآخر، انتبت لوجودي، بصت وراها ليا، ومن منظرها عرفت، عرفت إن في حاجة حصلت لبابا.....
بابا مشي، سافر لبلده، كده، من غير سابق إنذار، أصله مش مصري، هو أصلًا انجليزي، جه مصر من أيام جامعته واتعلم العربي وحب ماما وغير ديانته واتجوزها وخلفوني....
الدنيا كانت مثالية، ده اللي كان باين، لحد ما فجأة في يوم صحينا لقيناه سايب رسالة بيقول فيها إنه سافر ومش قادر يكمل في مصر، مش قادر يكمل خداع في نفسه، وإنه مش سعيد وإنه طلق ماما....
اللي حصل ده معمليش أزمة ثقة ده هدها خالص، بابا، حبيبي، أقرب حد ليا في الدنيا يسيبني ويمشي.....
سنتين فضلنا أنا وماما فيهم لوحدنا، مكنوش طبعًا مليانين فراشات وورود، الدنيا مش بمبي، بس كانت هادية ومريحة لحد ما ماما عرفتني عليه، "لؤي"....
فهمت علطول اللي فيها، معرفوش يضحكوا عليا، الراجل ده عايز يتجوزها، وبيحاول يكسبني، راجل جديد هيقتحم حياتنا وهيحولها لجحيم!
مكنتش مرتحاله أبدًا، ورا ضحكته ووشه الحلو المنور وكلامه الهادي اللي كله حنية حد خبيث، حد هيجرحنا وهيسيبنا.....
والجواز مكنش الصفحة البيضة الجديدة، أنا فضلت بعدها أعامله نفس المعاملة، أفهمه مرة بصراحة ومرة بالتصرفات إني مش قبلاه، مش عايزاه في حياتي وأكيد مش معتبراه بديل عن أبويا....
لكن الوضع اتغير شوية بشوية لما شفت إهتمامه بيا، كان بيهتم بكل التفاصيل، بمذاكرتي وواجباتي ونشاطاتي في المدرسة، مش بيفوت أي حفلة، وعمره ما ينسى عيد ميلادي، بيدور على الحاجة اللي بحبها ويجيبها، ويدلعني ويشتريلي أحسن لبس ويسرحلي شعري، لقيت فيه حنية أم مش أب بس وغصب عني لقيتني مع الأيام بقوله يا "بابا".........
بس أنا فاكرة كام مشهد غريب....
من سنة مثلًا كنت راجعة من درس بليل، لقيته بيتفرج على التليفزيون، مندمج في اللي بيتفرج عليه، ندهت على ماما مردتش، سألته عنها، حرك كتافه ودلدل شفايفه فيما معناه ميعرفش، فتحت باب أوضتهم بهدوء، وأنا مش متعودة على ده ، عادة بخبط الأول، بس لقيت نفسي بتصرف كده، بغض النظر عن السرير اللي مبهدل، البطانية واللحاف المكرمشين والمخدات المرمية مكنش في حاجة غريبة، باستثناء حاجة واحدة بس، نقطتين دم على الأرض جنب السرير، تلقائيًا اتوجهت للحمام اللي جوه الأوضة ولقيت الباب مفتوح....
ماما كانت واقفة قدام الحوض ماسكة فوطة وبتمسح شفايفها اللي مغرقة الفوطة دم....
اتهلعت لما شافتني، عنيها كانت بتدور في كل الاتجاهات وبعدين قالت:
= دانا اتزحلقت ووقعت على طرف البانيو، الحمد لله إنها جت على قد كده ومخبطتش راسي.
حركت راسي بايتسامة خفيفة وعديتها ومشيت، بس إزاي، إزاي معلقتش على نقط الدم على أرضية الأوضة، إيش جاب القلعة جنب البحر؟؟ يعني إيه تقع في الحمام فتنزف في الأوضة؟ وترجع تاني الحمام تفتكر تمسح الدم وتشوف الجرح؟
ومرة تانية لقيت كدمة سودة قرب ركبتها، مش زرقة، مش خضرة، لأ سودة، شكلها كان بشع، ولما سألتها قالت إنها اتخبطت في طرف الطرابيزة وهي ماشية بسرعة....
أنا ليه بلف وأدور على نفسي، الإجابة واضحة، "لؤي" كان بيعذب ماما، مكنش الراجل اللي كنت متخيلاه، كان مخبي وحش ماما بس اللي شايفاه، لكن هي ليه خبت عني؟ وإزاي كان بيعاملني بالحنية دي وبيعاملها بالقسوة والمرض ده؟؟؟
كل الأفكار والمشاهد دي دارت في دماغي في ثواني و"شريف" كان لسه في الأوضة، عمال يتكلم ويحاول يدافع عن نفسه وأنا مش سامعاه، مش شايفة غير شفايفه وإيديه كمان اللي بتتحرك بعصبية، لحد ما ماما دخلت....
= إيه اللي بيحصل؟ صوتكم عالي ليه؟
أنا انفجرت وقتها:
-يا ماما عمو شريف ده راجل مش كويس ولا "لؤي"، دول....
شاورتلي على بوقها عشان اسكت، وقالت لشريف:
= إخرج أنت.
أنا كملت:
-حضرتك مش فاهمة، أنا لسه شايفة رسايل ما بين لؤي وشريف و....
= شششششش، إحنا مش في شريف دلوقتي....
ولقيتها ادتني ضهرها وفتحت دولابها وسحبت حاجة من تحت الهدوم، كراسة...
الكراسة كانت مش غريبة عليا، عارفاها، دي... دي كراستي المختفية بقالها مدة، اللي كنت بكتب فيها مذكراتي، معقول؟ ماما خدتها عندها؟ ليه؟
لفتلي وهي ماسكة المذكرات وقالت:
= إحنا فيكي إنتي، الكراسة دي لازم نخلص منها قبل ما البوليس ييجي ويفتش الشقة،عشان محدش يعرف، محدش لازم يعرف إنك خططتي لقتل "لؤي"....
................................
بس القصة دي ناقصة.....
مش هو ده اللي حصل بالظبط...
لقوها! لقوا العربية، كانت مركونة على بعد كام شارع بس من مكان الجريمة، زي ما هي، لا هي متفككة ولا حاجة منها متاخدة، معنى كده إن القتل مكنش بدافع السرقة، اللي قتل "لؤي" كان يقصده هو، جي يقتله....
محدش من الجيران كان مصدق أصلًا موضوع السرقة ده، كنت بشوف الكلام في نظراتهم، كلها اسئلة، وأهمها "ليه لؤي؟"، "ليه مش عزيزة؟"، هم طبعًا ميتمنوش الأذية لعزيزة وبيحمدوا ربنا على سلامتها، لكن "لؤي" ده شخص لطيف جدًا، الناس بتحبه وخيره على الكل، حتى إن في واحد ومراته قالولها إنهم شاكين اللي عمل كده كان بينتقم منها هي، عايز يقهرها، وهو ده اللي حصل، هي اتقهرت وحصلها صدمة هتفضل معلمة معاها لآخر العمر....
لكن أنا مش قادر أقراها، بحاول أركز معاها ومش فاهم، يا ترى إيه اللي بيدور في دماغك يا "عزيزة"، يا ترى إنتي عارفة مين اللي عمل كده؟ ولا معندكيش فكرة؟
أول مرة قابلت فيها "لؤي" كانت من سنة لما دخل عليا البنك هو و"عزيزة".....
أنا مدير خدمة العُملا وبرضه بشتغل كموظف في خدمة العُملا لما يبقى في زحمة أو عدد ناقص من الموظفين بسبب الأجازات، كنت قاعد على المكتب مستني العميل اللي عليه الدور ولقيتهم داخلين عليا "عزيزة" ومعاها راجل معرفوش وفهمت بسرعة إنه جوزها، صحيح دي كانت أول مرة أقابل فيها "لؤي" لكن مكنتش أول مرة أشوف فيها "عزيزة"....
"عزيزة" وشها نور، قالت بصوت عالي:
= مش معقول، "شريف"، يا "لؤي" ده "شريف"، كان زميلي في الجامعة ومن ضمن الشلة المقربين في الدراسة، ده إيه الصدف الحلوة دي، بتشتغل هنا؟
كان بقالنا 18 سنة مشفناش بعض، شكلها متغيرش كتير، بقت شوية بس عملية أكتر في لبسها، أصلها كانت من أكتر بنات الجامعة المهتمين بنفسهم، علطول متشيكة وعلى سنجة 10، المهم عرفتني على جوزها وللمفاجأة دي مكنتش آخر مرة أكلم فيها "لؤي"، لسبب ما بطريقة ما أنا وهو بقينا صحاب وبسرعة جدًا، أو بمعنى أصح هو اللي ارتاحلي ولقيته بيتواصل معايا بعد ما أديته رقمي على سبيل الذوق بس لو احتاجني في خدمة بنكية، اتفاجأت إنه بيكلمني يسأل عليا مرة واتنين وبيعزمني على شاي في الخمسينة على القهوة، وبكده قربنا من بعض في وقت قليل، وأنا بقيت تقريبًا أكتر حد بيثق فيه....
مكنتش عايز القرب ده، لكنه كان متمسك بصداقتي ولقيتني بتجر لدايرته كل شوية أكتر لدرجة إني اتعرفت على بنته، أو اللي اعتبرها بنته واتبناها، "كاميليا" بنت "عزيزة" من جوزها الأولاني، بنت جميلة تدخل القلب علطول برغم الغضب العميق المدفون في عنيها واللي قدرت أميزه من أول لقاء....
كل حاجة كانت ماشية كويس، اتقبلت صداقته على مضض، بلعتها بالعافية واتعودت عليه وحتى إني عرفت مراتي على الأسرة وبقت علاقتها لطيفة بعزيزة، لحد ما جتلي رسالة عجيبة بعد شهرين من مقابلتي ليه:
"شريف صحيح أنا مش عارفك من كتير، بس ارتاحتلك جدًا وحاسس إني أقدر أفضفض معاك بأي حاجة، إحنا وصلنا لمرحلة مع بعض في علاقتنا أنا و"عزيزة"، مش عارف أوصفها، هي بتستفزني وبتخليني أضطر أعمل كده، بفقد الوعي، بلاقي نفسي بضربها، ضرب مش عادي، لحد ما للأسف بتسببلها في كدمات جامدة، أنت أول واحد أقول له، محرج أتكلم مع أي حد تاني، ولا حتى حد من أهلي وصحابي، كل الناس شايفين لينا صورة مثالية، إننا سمنة على عسل، وده برضه صح، في كتير من الأوقات، في أوقات تانية لأ، كإننا على حلبة مصارعة، هي تستفزني بكلامها وتصرفاتها وأنا أهجم عليها كإني وحش وأاذيها....."








































