"القصة مستوحاة من أحداث حقيقية"
سمعت قبل كدا عن نظرية عجيبة شوية، لعبة الأولى اللي كتير مننا كان بيلعبها وهو صغير ، لو حد لعبها بس بطريقة مختلفة ، يعني نط بنمط معين أو حتى اتحرك ممكن يفتح بوابة، محتمل يلاقي نفسه في نفس المكان بس الوقت مختلف، زمن مختلف!
هي طبعًا مش لعبة الأولى، أنا بحاول بس أدي مثل يبقى قريب مني ومنكم عشان نقدر نفهم، مع إننا مش هنفهم للآخر! ممكن بدل لعبة الأولى والرسومات اللي بتترسم بالطباشير نتخيل لوح شطرنج كبير وقطعة من الشطرنج زي العسكري أو الفيل، لكن القطعة دي بتمشي بطريقة مميزة، مثلًا خطوتين ورا بعض للجنب وخطوتين للأمام وبعدين ترجع 3 خطوات، القطعة دي فجأة هتختفي!
هي مبقتش فانية، لسه ليها وجود لكن وجود إحنا مش هنلمسه هيبقى ليها وجود في زمن تاني، القطعة هتبقى سافرت عبر الزمن!
معرفش ليه افتكرت النظرية دي لما قريت مسودة الكتاب اللي الدكتورة "شهد" إديتهولي. هي وصتني أقراه وأقولها رأيي عشان بتثق فيا.. الكتاب مش هي بس اللي كتباه، دا مشروع مشترك ما بينها وبين دكتورة "نور"، الاتنين دكاترة في كلية آداب قسم تاريخ وأنا معيد في نفس الكلية وبساعدهم في تحضيرالمحاضرات والأبحاث. متخيلتش أبدًا أن دا يكون موضوع الكتاب لأنه ملوش علاقة بمجال كليتنا ولا كان عندي فكرة أن دي إهتمامتهم...
زائد بقى إن الكتاب مش سرد عادي، مش مناقشة نظرية، دي قصة! قصة كاملة بشخصيات وحبكة ومشاهد.
بالنسبة للشخصيات فإسمهم "شهد" و"نور"! معقول صدفة؟! قرروا يسموا الأبطال على اسمهم ولا هم فعلًا الأبطال؟! ودا بينقلنا لسؤال تاني هل القصة دي نتاج خيالهم بسبب إهتمامهم بالموضوع اللي إتبنى عليه القصة فقرروا يعملوا شخصيات إفتراضية هي انعكاس ليهم، ولا القصة دي حقيقية وحصلت لهم بالفعل؟
المشكلة إني لو جبتهم وقعدتهم قدامي وسألتهم وجاوبوا بالإيجاب، قالولي القصة دي حصلت فعلًا يا "مالك" برضه في الغالب مش هصدق!
القصة بتبدأ برحلة في شوارع القاهرة التاريخية. قررت "شهد" و"نور" إنهم يقضوا يوم في كذا مكان تاريخي بعد ما كانوا بيتكلموا كتير عن رغبتهم في رحلة زي دي. "شهد" صحيت، كلمت "نور" وقالتلها إالبسي هدومك ويالا، الخروجة دي مش هتتنفذ طول ما احنا بنخطط وبنتكلم كتير، يالا بينا النهارده.
أول محطة راحوها كانت المنيل مش عشان فيها مزار سياحي أو تاريخي، عشان يفطروا من عربية الفول المفضلة عندهم..
كانوا متحمسين جدًا، بيتكلموا بصوت عالي وبيضحكوا كإنهم أطفال، زي ما يكون مفيش في الشوارع غيرهم، نسيوا وجود الناس.
وصلوا للعربية وأكلوا فطارهم قدامها. "نور" استأذنت "شهد" تجيب كوباية قهوة من كافيتريا قريبة من عربية الفول وترجع لها.
أقل من 10 دقايق و"نور" رجعت وهي ماسكة الكوباية البلاستيك. بإيد كانت ماسكة الأكل وبالإيد التانية القهوة. كانت سرحانة مع "شهد"، مندمجة في الكلام معاها عشان كدا مخدتش بالها من العيل الصغير اللي خبط فيها جامد وهو بيجري وبيهزر مع صحابه، مش بس القهوة اتدلقت على هدومها والأرض، هي اتخبطت جامد وبسبب الخبطة فقدت الاتزان لثواني واتحركت بشكل عشوائي وأول ما استعادت الإتزان والتحكم في جسمها الأحداث الغريبة بدأت...
ورا عربية الفول ظهر ضباب وورا الضباب مبنى ضخم جدًا، زي ما يكون ...قلعة!
الضباب كان ممكن يكون موجود من الأول وهي مخدتش بالها مثلًا بغض النظر عن إن الأحداث كانت في شهر مايو والمفروض منطقيًا ميبقاش في ضباب لكن ماشي، اللي جه ف بالها إن الضباب موجود بنسبة ما من الصبح وهي بس اللي مكنتش مركزة، طيب والمبنى اللي يشبه القلعة دا إزاي مخدتش بالها منه قبل كدا؟؟
سياق القصة بيقول أن دكتورة "نور" ودكتورة "شهد" أو هنقول الأبطال "نور" و"شهد" كان بقالهم فترة كبيرة مجوش المنيل.. يمكن في فترة غيابهم تم تشييد البناء دا، في حاجات كتير بتتغير في المعمار، مباني بتطلع، مباني بتتهد، وارد يكون دا اللي حصل...
المبنى كان متقن بشكل مذهل، تفاصيله رهيبة، وأحلى حاجة أنه مبنى على طراز قديم، يشبه جدًا القصور أيام الأيوبيين، باستثناء أنه أقرب للقلعة منه للقصر...
ومن الواضح أن القلعة ممتدة واللي باين منها مجرد جزء، الأبراج الملحقة كانت كتيرة أوي وجنبها في جامع كبير. القلعة تشبه لحد كبير وصف "قلعة الروضة" اللي بناها الصالح نجم الدين أيوب..
من وسط الضباب أعداد كبيرة من الناس بدأت تظهر، أفواج ورا أفواج، لبسهم غريب، مختلف، عبايات وجلاليب ملونة وطواقي شكلها فخم، ليه الناس دي لابسين كدا؟ دا اللي جه ف بال "نور".
الأفواج مكانتش ماشية وخلاص، كان في قرع طبول وعربيات خشب شبه بتاعة بياعين الخضار، رجالة ماسكينها وبيتمشوا بيها ، عليها صواني وأطباق. دي احتفالات!
الناس كانت بتاخد من الأطباق والصواني والكوبايات اللي فيها مشروبات ملونة، في الأغلب شربات. وأخيرًا "نور" سمعت حد بيقول بصوت عالي وهو بيضحك:
-بسلامته خليل هيروقنا كلنا. السلطان الصالح هيفضل مزاجه رايق لعهود، جاب من محبوبته الولد وهي اتربعت ع العرش ، معاها قلب السلطان ومعاها الوريث، سبحان من له الدوام، من جارية لسلطانة.
"خليل"؟ السلطان الصالح؟ الناس في الشارع كانت بتتكلم عن ولادة شجرة الدر لإبنها من "نجم الدين أيوب" اللي سموه "خليل"!
"نور" ضحكت بعد ما فضلت مبلمة حبه، جه ف بالها إن دي أكيد احتفالية ما، شبه موكب المومياوات الذهبي، لكن المرة دي الموكب متعلق بالتاريخ الأيوبي ودا يفسر المبنى والأزياء ولهجة الناس..
الراجل صاحب عربية الفول لف راسه في الاتجاه اللي "نور" كانت سرحانة فيه ورجع بص ل"نور" باستغراب. الأفواج كانت بتقرب ولسه الضباب مالي المكان، الوشوش بقت أوضح، كل واحد فيهم متقمص دوره جدًا لدرجة مكنوش بيبصوا للناس التانية خارج العرض، الناس اللي هم في الشارع وواقفين زيهم... لكن في حاجة إتغيرت....
واحد من الفوج، من طاقم الممثلين فجأة بص في إتجاه "نور" اللي مركزة ومنبهرة بالعرض، بصته خلتها تترعش، نظرة وترتها جدًا، مش بس عشان حادة لكن كمان جالها إحساس غريب.. الراجل صاحب النظرة الحادة زي ما يكون مكنش مدرك لوجودها قبل كدا وفجأة انتبه ليها، خد باله منها وإستنكر وجودها...
المفروض مثلًا مكنوش يبقوا في الشارع في الوقت دا؟ المفروض الشارع كان يبقى فاضي عشان العرض ولو في تصوير تليفزيوني؟ زي بالظبط عرض المومياوات؟ منطقي...لكن اللي مش منطقي، هو وجود الأعداد دي في الشارع من المارة والناس اللي بتشوف مصالحها، لو على فرض إنها الوحيدة اللي مكنتش تعرف بموضوع الموكب، طب وباقي الناس برضه مكنوش يعرفوا ولا كانوا عارفين مش محدش نبه إن وقت التصوير الشوارع لازم تبقى فاضية؟ في كل حال من الأحوال شيء موتر للأعصاب أن الممثل اللي لابس عباية وزي أيوبي دا بصلها هي دونًا عن غيرها...
خلصوا فطار وقرروا يتحركوا من المنيل. وقفوا تاكسي وركبوه. "نور" التفتت للمرة الأخيرة. قالت بصوت عالي مبالغ فيه:
-الضباب راح مرة واحدة!
"شهد" ردت باستغراب:
-الضباب؟!
-أيوه فجأة كدا راح، سبحان الله!
"شهد" معلقتش واتكلموا بعدها في حاجات مختلفة لحد ما وصلوا محطتهم اللي بعد كدا...
وصلوا شارع المعز، مكنش في أماكن معينة عايزين يزوروها فيه، لا أضرحة ولا محلات، الخطة كانت إنهم يتمشوا وزي ما رجليهم توديهم...
فضلوا يتنقلوا ما بين محل والتاني، يشتروا بخور على شنط على حاجات تانية. الاتنين كانوا مبسوطين ورايقين جدًا لحد ما "شهد" فجأة وقفت زي التمثال، حاجة غيرت مزاجها...
في حوار مشهور بيتقال في أفلام التشويق وبيبقى كالتالي:
-سامع دا؟
=سامع إيه؟ مش سامع حاجة
-بالظبط!
هو دا اللي حصل مع "شهد"..اللي خلاها تتشد هو الصمت اللي حل فجأة في المكان، كل الناس سكتت في نفس اللحظة، حتى الهوا بقى ساكن! صحيح القصة كانت في شهر مايو، لكن صيف أو شتا بيبقى في حركة تدل على وجود هوا، بارد بقى سخن أي حاجة، ولو حتى مش بارد ولا سخن بيبقى ليه وجود معين ممكن منعرفش نحسه أو نوصفه بالظبط لكن أكيد لما يغيب هنعرف، مثلًا أوراق الشجر والفروع الرفيعة بتتحرك حركة بسيطة في وجود الهوا، لكن دا مكنش موجود، أوراق الشجر والفروع كانوا ساكنين زيهم زي السكون في المكان كله، لا في كلام ولا خطوات ولا أصوات طيور.. نيجي بقى تاني للشجر، مش مجرد الورق مش بيتحرك، لأ دا كمان شكله، الشجر ومعاه السحاب والسما النسيج بتاعهم غريب، زي ما يكونوا مش طبيعين، أقرب للوحة مرسومة.
"شهد" بصت ل"نور" جنبها لقتها لسه بتتكلم معاها عادي ولا كإن، بس هي مسمعتش ولا كلمة كانت بتقولها، زي ما تكون بتتكلم في فيلم صامت، يمكن دا بسبب إنعدام الهوا؟
وأخيرًا ظهر صوت، بس صوت غريب. "شهد" بصت ناحية المصدر لقت مبنى من دورين قدامها، بيت.. المشكلة أن البيت دا ظهر فجأة، مشافتهوش قبل كدا، المشكلة التانية أن الاستايل بتاعه كان قديم جدًا، يشبه البيوت الموجودة في شارع المعز، البيوت الأثرية اللي عفا عليها الزمن وبقت مزارات سياحية.
وبرغم الستايل القديم إنما شكله كان جديد، بينبض بالحياة، مش متهالك ولا مترب زي باقي البيوت. الصوت كان مصدره راجل بيتكلم، لكن كان بيتلخبط في الكلام، مش عارف يقول جملة على بعضها.. "شهد" كانت قادرة تبص من خلال الشكمجية، المشهد كان واضح..
الراجل اللي بيتكلم بطريقة غريبة، وقفته وحركته برضه كانت غريبة، بيتطوح، مهو يأما عنده مشكلة عقلية يأما مخمور.
الإضاءة كانت خافتة جوا البيت، نور الشمس مكنش مخترق ، زي ما يكون جوا البيت ليل مع إن برا نهار، أما الإضاءة فكان مصدرها أنوار صفرة بترقص، شموع....
الراجل اللي مطول شعره ولحيته ولابس عباية مطرزة وشكلها قيم كان ماسك في إيده سيف صغير. زي ما هو بيتطوح السيف كان بيتطوح برضه. كان بيمشي حوالين الشموع وبيحاول يضربهم بالسيف بس مكنش بينجح بسبب عدم اتزانه. في النهاية عرف ينشن وإيده بقت ثابتة لثانية وقطع الشموع كلها اللي كانت واقفة صف واحد. زعق وهو بيقطعهم:
-المماليك الأوغاد! بضربة واحدة هخلع رؤوسكم من جذوعكم.
المشهد دا برغم غرابته لكن مش غريب عليها، قرت عنه ودرسته قبل كدا، ودا في حد ذاته غريب جدًا!
في اللحظة دي "شهد" حست بإيدين بيتحطوا بهدوء على أكتافها، الإيدين كانوا باردين تلج لدرجة إنها مش بس اتذعرت دي صرخت من الألم.
"نور" اتفزعت من صرخة "شهد" وسألتها بقلق:
-في إيه؟ إنتي كويسة؟
"شهد" كانت لسه متنحة في اتجاه البيت اللي مبقاش موجود، اختفى ورجعت مكانه الحارة الضيقة. ردت وهي مش بتبص ل"نور":
-أيوه...أيوه، أنا بس إتخضيت من حركة الناس حواليا، حد خبط فيا.
"نور" مقتنعتش .. بصت لشهد بصة ليها مغزى والموقف دا خلاها شخصيًا تخاف أكتر، عشان اليوم من أوله غريب وأحداثه مش مفهومة.
-يلا نمشي من هنا!
"شهد"قالت جملتها دي لنور بعد ما أخيرًا بصتلها. و"نور" مجادلتهاش، مشيت معاها من غير كلام.
الاتنين مشيوا مسافة، خلالها محدش وجه كلام للتاني، الاتنين سرحانين قدامهم، كل واحدة ف ملكوت، لحد ما "نور" مدت إيديها ووقفت "شهد":
-شايفة يا "شهد"؟
"شهد" بصت في الاتجاه اللي "نور" كانت بتبص عليه.
وقفوا مشيهم، بصوا على حارة الدرب الأصفر اللي مكنتش زحمة، فيها عدد محدود من الأشخاص، واحدة ست و4 رجالة ، قاعدين على دكة من الدكك اللي موجودة وسط الحارة..
شكل الحارة نفسه كان معتاد، المرة دي المباني والشبابيك وأُصر الزرع والأواني المحطوطة على الأرض هي هي لكن الخمسة اللي قاعدين هم اللي شكلهم مختلف، لابسين جلاليب وطواقي والست اللي جمالها فاتن وحضورها طاغي كانت لابسة طرحة عليها زي سلسلة، إكسسوار بيلمع، متخيط في الطرحة...
الخمسة كانوا بيتكلموا، لكن كان واضح أن الست هي اللي بتدير النقاش وأغلب الكلام خارج منها هي..
-توران شاه طغي، بيبخ سمه في كل الاتجاهات، والمصيبة أنه تِعبان سكران، حتى مهوش مركز ولا فاهم بيعمل إيه، عايز يطيح بالكل، يعمل حفلة إعدام، ووجودنا، مش بس في السلطة وشؤون الحكم ورعاية الناس وأمور الدولة، وجودنا في الحياة مهدد للأسف وبقائنا مشروط بفنائه. رأيكم، إيه الشورى؟
واحد منهم رد بلؤم:
-نمهله، يمكن يرجع، الخمر سيده ولما يزول أثره يجوز يرجع لصوابه..
ردت بنبرة لئيمة طغت نبرته:
-يجوز طبعًا، ومن هينزل الخمر من على عرش راسه؟ ولحد ما الخمر مايبقاش السيد، ضامن النفس اللي جاي؟
واحد تاني سألها بأدب جم كأنه بيكلم ملكة:
-أمرك، الشورى شورتك.
-اقتلوا توران شاه وعلي رضاكم بكل ما يمكن.
المفروض إن "نور" و"شهد" كانوا بيراقبوا المشهد من برا الحارة لكن في طرفة عين لقوا نفسهم جواها!
الخمسة اللي كانوا في اجتماع اختفوا، بس الاتنين كانوا حاسين بحضورهم، مش شايفنهم بس متأكدين إنهم موجودين...
لفحات هوا هبت من اليمين والشمال. "نور" و"شهد" بقوا يلفوا حوالين نفسهم في رعب.. قربوا ومسكوا في إيد بعض.. بدأوا يسمعوا كلمات وضحك...
-"تم، إعتبري الأمر تم"... "توران شاه مكنش المفروض يحكم من الأساس"..."العرش من حق واحد بس، اللي ختم الصكوك والمراسيم كإن السلطان حي ولسه بيحكم"..." كفوف مغموسة ف دمه هتتحفر عالجدران عشان حكاية وسيرة الجبان تفضل حية زي كفوف دم العجول والخرفان"
"شهد" و"نور" سابوا إيد بعض وحطوا إيديهم الاتنين على ودانهم وبقوا يتأوهوا من الذعر، مش قادرين يصرخوا..
جربوا بعدها يمشوا برا الحارة لكن زي ما يكون في حيطة خفية على حدودها، كل ما يحاولوا يخطوا براها يخبطوا في الحيطة اللي مش شايفنها. اتحبسوا جوا الحارة....
بعد دقايق الأصوات إختفت لكن في أصوات تانية ظهرت، الناس الكتير الموجودين في الحارة، ناس طبيعيين، هدومهم وشكلهم طبيعي ومألوف. بصوا لبعض من غير ما يتكلموا، نظراتهم كانت بتحكي بأن الأمور رجعت لطبيعتها والدوشة والحركة المعتادة.. جربوا تاني يمشوا في اتجاه المخرج ومصطدموش بأي حيطة أو حاجز، قدروا يكملوا عادي..
"نور" قالت ل"شهد" إنها مش في مود إنهم يكملوا الجولة وإنها عايزه تروح و"شهد" وافقتها والمفروض كانوا قرروا يرجعوا. مشيوا لحد باب الفتوح، كانوا شايفينوا قدامهم، خلاص هيخرجوا، لكن الباب اختفى!
بصوا حواليهم، المكان شكله مختلف زي ما يكونوا اتنقلوا لمكان تاني...
سمعوا صوت خطوات، شخص واحد بس بيمشي وبيقرب عليهم، كان بيكحت برجليه في الأرض، ماسك صندوق ضخم متعلق على صدره ومربوط بقماشة ملفوفة حوالين رقبته. الراجل بصلهم بصة خبيثة وابتسملهم. صفين سنانه كانوا سود، ضارب فيهم السوس.. قال بصوت واطي:
-إزاي جيتوا هنا، عملتوا إيه؟
"نور" ردت بصوت مهزوز:
-إحنا واضح إننا تايهين، إحنا فين؟ وإزاي نوصل لباب الفتوح؟
-عارفين إيه اللي معايا دا؟
"شهد" قالت:
-هو دا وقته، حضرتك إحنا تايهين وعايزين نروح!
-دا صندوق الدنيا، اللي جواه بيختلف حسب الشخص اللي هيبص فيه، اللي جوا مرايه ليه، لمخاوفه وقلقه وحاضره وماضيه، عايزين تجربوا؟
الاتنين بقوا خايفين منه، يمكن بنفس قدر خوفهم من المكان والأجواء. الراجل كان غريب الأطوار والغريبة إنه باين عليه فاهم إنهم في المكان الغلط.
مشي لحد ما بقى جنبهم، مال براسه وهو بيمشي وبيتجاوزهم وقال:
-عملتوا إيه عشان تيجوا هنا، أكيد عملتوا حاجة.. مش عايزين الصندوق وحكاويه، خسارة فيكم الصندوق....
مشي وسابهم... راقبوه لحد ما اختفى تمامًا.
"نور" سمعت أصوات تانية، حدوات، عدد من الخيول.. بصت في اتجاه الصوت لقت عفرة ووحدة وحدة ظهرت مجموعة كبيرة من الخيول بيجروا عربات.... في كتير كانوا ماشيين على رجليهم حوالين العربات اللي شايلة ناس شكلهم مهمين.. برضه، كل المشهد مش طبيعي، العربات والخيول وأزياء الناس الماشية واللي قاعدين في العربات المكشوفة، كإنهم، كإنهم من زمن تاني. لحد اللحظة دي "نور" المتنحة في الموكب مكنتش عايزه تعترف.. القلعة اللي في المنيل، الاحتفال بولادة خليل، الاتفاقية في حارة الدرب الأصفر، كلها مشاهد تعرفها كويس بحكم دراستها، مشاهد تاريخية!
لكن إيه بقى تفسير دا، معندهاش أي فكرة... المهم إنها في المرحلة دي كانت بتراقب موكب عظيم.. الناس اللي قاعدين في العربات المكشوفة واضح إنهم بيشغلوا مناصب مهمة، أمراء أو حكام ، بس في واحد معين تميز عنهم كلهم، مظهره كان أقيم من كل اللي حواليه ونظراته كمان بتدل على كدا، كان بيبص على الكل كإنه أعلى منهم، الحاكم مثلًا..
في حاجة غلط، الموكب دا في حاجة غلط، اضطرابات في صفوف الناس، هيجان الخيول. أربعة من المارة قربوا من العربة اللي كان فيها "السلطان"، تسلقوا عليها بسرعة البرق. واحد فيهم رفع سيفه على السلطان ونزل عليه!
السلطان حرك إيده بشكل عفوي على وشه علشان يتفادى الضربة وبسبب دا السيف قطع صوابعه... نزل من العربة وفضل يجري زي الدبيحة اللي بيبقى فيها حلاوة روح وبتقاوم الجزار .
"نور" فقدت أعصابها ، فضلت تصرخ وهي بتراقبه. كان نفسها يقدر يهرب. أربع رجالة من ضمنهم اللي ضربه بالسيف فضلوا يجروا وراه وهو دخل برج خشب وقفل على نفسه باب البرج.
الأربعة كانوا مألوفين بالنسبة ل"نور"، شافتهم قبل كدا، هم نفسهم اللي كانوا قاعدين مع الست بيتفقوا على قتل "توران شاه"..
مقدروش يفتحوا الباب. واحد فيهم غاب شوية ورجع بقنديل، رفع دراعه عالآخر وحدفه من شباك عالي شوية. إزاز القنديل اتكسر وف ثواني النيران جوه البرج بدأت تعلى..
"نور" كانت مندمجة في المشهد اللي بتشوفه لدرجة إنها ماخدتش بالها أن "شهد" مش جنبها، مش موجودة في أي مكان حواليها، هي بس اللي كانت بتشوف العرض البشع دا...
"توران شاه" خرج من البرج وهو بيتحرق. فضل يصرخ وهو بيجري لحد شط البحر...
شط البحر؟! "نور" شافت شط عريض وبحر، البحر اللي "توران شاه" استنجد بيه عشان ينقذه من النار اللي بتنهش في لحمه. قدر يطفي النار، كان لسه فيه نفس، لكن البحر هو اللي قضى عليه، جسمه مقدرش يقاوم السحب، كان بيقول بصوت ضعيف وهو بيغرق:
-خدوا ملككم وخلوني أرجع لحصن كيفا!
"نور" فضلت مشلولة، مش حاسه بأطرافها.. اللي خلاها تفوق هي الأنفاس الباردة اللي جنبها، مكنتش عايزه تبص لكنها بصت، أصل مفيش مفر ، مصدر الأنفاس الباردة لسه موجود، كان لازم تشوف شكله...
جسم من غير حياة، جلد كله بايش، متفحم، بيطلع أنفاس باردة، "توران شاه"! دي هيئته بعد ما مات، كان واقف جنبها وبيتنفس، صوابعه مقطوعة ولسه بتنزف، نقط الدم بتنزل على الأرض بلا توقف.
أنفاسها عليت وبقت سريعة، عينيها مفتحة على الآخر وهي مبرقة فيه ، جالها نوبة هلع وفي النهاية صرخت صرخة عالية كافية تسبب ذعر لأي حد ولو على مسافة...
حست بإيدين بتهز فيها جامد، "شهد". "شهد" اللي كانت مخضوضة ومش عارفه تتصرف معاها إزاي. المشهد بالنسبة ل"شهد" إنهم بعد ما لقوا باب الفتوح مش موجود والراجل العجيب اللي ماسك صندوق الدنيا ظهر وعرض إنهم يدخلوا جوه الصندوق ويشوفوا الصور اللي جواه وراح لحاله لما رفضوا عرضه باب الفتوح ظهر من تاني والمحلات كمان والناس والشوارع لكن "نور" فضلت مبلمة، بتبص لاتجاهات غريبة ورافضة تتحرك ومش بتستجيب لكلامها. أخيرًا "نور" بصت قدامها، بصت ل"شهد" ، لسه مكنتش بتتكلم ، عينيها بس اللي بتتحرك..
-كان هنا، جنبي.
"شهد" سألتها:
-مين دا؟ مين اللي كان جنبك يا "نور"؟
مردتش عليها، اتهربت من عيونها، مكانتش عارفه تقول إيه..
بعد صمت لحظات. "نور" قالت:
-إحنا مش هنمشي دلوقتي، الجولة لسه مخلصتش!
-ليه بتقولي كدا؟!
-هو اللي قال لي.
-هو؟
-لما وقف جنبي، قال لي لسه في محطة كمان.
"شهد" مكنتش فاهمة حاجة، لكن معلقتش، بلعت ريقها بصعوبة كإنها بقالها زمن مشربتش ميه لإنها برغم إنها مش فاهمة لكن عندها يقين إن كلام "نور" صح، الجولة لسه مخلصتش...
خطوات كتير، المرة دي مش بتاعة خيول، بني آدمين، والاتنين سمعوها...عدد من الرجالة، لابسين لبس شكله بتاع محاربين، ظهروا فجأة، والخلفية كانت الناس العادية الماشية في الشارع وكل المعالم المعتادة، المحلات والمطاعم والأكشاك. الرجالة مشيوا في إتجاه "شهد" و"نور"، فضلوا يقربوا عليهم في خطوات ثابتة.
الاتنين اتحركوا خطوات بسيطة لورا وهم بيراقبوهم في ذعر، لكن الرجالة متراجعتش، فضلوا مكملين لحد ما وصلوا عندهم، عبروا من خلالهم وكملوا!
كإن "شهد" و"نور" أطياف، أجسامهم ملهاش نسيج مادي، الرجالة اخترقوهم عادي جدًا وكمان مكنوش شايفنهم. هم كانوا غلطانين، الجند دول أو الحراس مكنوش بيبصوليهم، دول كانوا بيبصوا لحاجة تانية وراهم...
في كل الأحوال نظراتهم مكنتش تطمن.
شافوهم بيمسكوا حد، بيكتفوه ويجروه، الست! نفس اللي كانت في حارة الدرب الأصفر، السلطانة، "شجرة الدر"!
كان لا حول لها ولا قوة، مستسلمة تمامًا ليهم، عارفه ذنبها وعارفه مصيرها. المشاهد بقت تتداخل مع بعضها، لسه في الخلفية الشوارع المعتادة والناس العادية ومعاهم ظهر مكان فخم، صالات واسعة أراضيها عليها سجاجيد قيمة مبهرة، لكن جمال المكان والأثاث والسجاد أفسده صوت الصريخ البشع كإن حد بيتدبح...
فايدتها إيه الأناقة دي كلها مع وجود أجواء مرعبة تخلي الواحد يكره المكان!
"شهد" بصت ل"نور" بتسألها بنظراتها هل يروحوا للأوضة اللي سامعين فيها الصريخ؟
"نور" حركت راسها بالإيجاب، أصل إيه تاني ممكن يتعمل؟ وبعدين هي جت على دي؟ خليهم يشوفوا إيه تاني بيحصل...
اتمشوا لحد الأوضة...هي أوضة مختلفة شوية، مش سرير وأثاث ودواليب، دي كانت حمام، أشبه بالحمامات العامة اللي الناس في عصر المماليك والأيوبيين وما قبلهم كانوا بيتجمعوا ويستحموا فيها..
عدد كبير من الجواري اتجمعوا حوالين شجرة الدر، من وراهم كانت واقفة واحدة ست بتراقب، كإنها بتشرف على اللي بيحصل، نظراتها كلها حقد وتحدي وتشفي. صرخات "شجرة الدر" كان بيقابلها ضحك الست دي، كانت بتستمتع بالمشهد...
الجواري رفعوا قباقيبهم وانهالوا على شجرة الدر بالضرب، الإيد اللي تبطأ أو تعطل أيادي تانية كانت بتحل محلها، زي كائن إسطوري كل أما تقطع تعبان من التعابين المتفرعة من راسه يظهر بداله تعبانين. هي بقت ترفع إيديها على راسها، بتحاول تتفادى الضربات، بتحاول تعيش....
بعد وصلة ضرب، شجرة الدرب نزلت إيدها ، عنيها اتحركت كإنها انتبهت لحاجة ، بصت في اتجاه "شهد" و"نور"، لأ مكنتش بتبص لحاجة وراهم، مش حاجة في الخلفية دي كانت بتبصلهم هم..
قالت بصوت ضعيف:
-غريب أمركم، غريبة هيئتكم! هتفضلوا واقفين؟؟ إنقذوني!
نص الجملة الأولى كانت بالصوت الضعيف المنهك أما النص التاني فكانت بتزعق، لقت قوة، القوة بتاعة اليائسين اللي بيحاولوا ينقذوا حياتهم، بيتعلقوا بقشة...
-سلطي عليه غلمانك؟ ضربوه في الحمام دا لحد ما لفظ أنفاسه الأخيرة، ما هو أصل الضباع الجُبنا سبيلهم الوحيد عشان يفتكوا بالأسد هو إنهم يجمعوا أعداد كبيرة منهم، جيش يلتف حوله وكل واحد فيهم ينهش نهشة واحدة، ميتة الغدر والجبن، عشان علمهم بقوته وبأسه ولو كانت المواجهة ما بين الأسد وبين ضبع واحد كان قتله بمخلب من مخالبه... وأديني جبتك لنفس الساحة، نفس الحمام وبدل ما أسلط عليكي غلمان سلطت الجواري اللي كانوا بيخدموكي من أيام..
أنفاس "شجرة الدر" بقت أعلى، بيخرج منها أنين، بطلت تقاوم، إيديها بقوا جنبها، بتبص للأركان كإنها عايزه تاخد لقطة وتحفظها، تشيل الذكرى دي معاها لقبرها، القلعة، جنتها السابقة..
الست كملت كلامها وهي بتشهد آخر أنفاس "شجرة الدر":
-النهارده يوم عيد، هتقام الاحتفالات وهوزع على شرفك الحلويات، هجرب وصفة جديدة، زبيب، لبن، مكسرات وتقييمي أن من حلاوتها هتتسمى بإسمي، "أم علي"..
بعدين فضلت تضحك بهستيريا وعينيها بتدمع، فرحة ممزوجة بحزن عميق بسبب فقدانها لعز الدين أيبك، جوزها وحب حياتها. "أم علي" مكنتش أبدًا سعيدة بجد، دي تصرفات واحدة مضطربة نفسيًا، عالمها اتهز وجواها بركان انفجر ومش هيرجع ساكن حتى بعد ما انتقمت من اللي قتلت جوزها.
-دلوقتي!
"أم علي" قالت الأمر دا للجواري. رموا القباقيب على الأرض وشالوا "شجرة الدر" اللي خطوط الدم كانت بتسيل من على راسها ومغطية عينيها وباقي وشها. كانت بتتجر على الأرض، مش قادرة تقف. طلعوا بيها لحد سور القلعة و"شهد" و"نور" طلعوا وراهم. شافوها والجواري بيرموها. في الغالب "شجرة الدر" كانت ماتت فعلًا قبل ما جسمها يصطدم بالأرض لكن أهو، كان زيادة في التحقير والتشفي...
الجثة إتلاشت مع الجواري اللي كانوا بيراقبوها بعد ما رموها... "شهد" و"نور" كانوا لسه على ارتفاع كبير، لكن جوا برج من أبراج القلعة، قادرين يشوفوا مساحة كبيرة، مباني وشوارع، بتوع دلوقتي، بتوع العصر الحالي وحواليهم كانت دوشة، زوار للقلعة...
-"شهد" هو إحنا جينا إمتى هنا؟
-معرفش!
-مش فاكره إتحركنا إزاي وإمتى من المعز وركبنا إيه؟
-مش فاكره جينا القلعة إزاي!
-تفتكري الجولة خلصت ولا لسه؟
-أفتكر إنها خلصت، في أجواء كنت حاسة بيها من ساعة ما كنا في المنيل مبقتش موجودة...
-وأنا كمان.... مش بالا بقى.
-يالا يا "نور".
القصة بعد كدا بتقول إن "نور" و"شهد" فضلوا كذا يوم مبيتكلموش خالص وبعدين إتقابلوا في الكلية و"شهد" هي اللي بدأت الكلام.
-يوم ال....الجولة بتاعتنا.
-ماله يا "شهد"؟
-الأحداث اللي حصلت لنا.
-أنهي أحداث؟
-"نور"؟!
-أيوه يا "شهد".
-متهيألي إن جه الوقت نتكلم في اللي شوفناه وعشناه.
-أنتي شايفة كدا؟
-اه، وعارفه كمان الطريقة اللي هنحكي بيها. أنتي هتكتبي كل حاجة شوفتيها وأنا كمان ونقارن النسختين ببعض وبعدين نتناقش.
-مش واثقة يا "شهد".
-الهروب مش حل، لازم نواجه اللي حصل أيًا كان ونحاول نلاقيله تفسير.
بعد ما كل واحدة رجعت بيتها وبقت لوحدها جابت كراسة وفتحتها وبدأت تكتب كل أحداث اليوم....
اتقابلوا اليوم اللي بعده، كان واضح إن الاتنين مناموش كويس، سهروا على الأحداث وكتابتها... الكراسات اتفتحت واتحطت جنب بعض..التاريخ كان مكتوب على أول صفحة "3 مايو 2021".
3 مايو؟! دا تاريخ مميز، نفس اليوم اللي شجرة الدر اتقتلت فيه! أكيد دي مش صدفة، القصة بتحكي أن أحداث اليوم الغريب كانت يوم 3 مايو ودا بان من تدوين الأبطال للتاريخ في المذكرات اللي وروها لبعض.. وكل حاجة شافوها كانت متصلة بشكل ما بشجرة الدر، إحتفالات ولادة إبنها وقتل توران شاه وقتلها هي شخصيًا، كله في ذكرى وفاتها..
تكملة القصة إن الاتنين لاحظوا أن الأحداث بتبدأ من عند "نور"، من وقت ما كانوا لسه في المنيل.. "نور" كتبت أنها أول ما فقدت إتزانها وكانت هتتكعبل شافت ضباب كثيف ومن وراه أعداد من الناس بأزياء غريبة وقلعة تشبه بالظبط قلعة الروضة اللي عارفين شكلها بحكم دراستهم وأن الناس في الشارع كانت بتحتفل وبتتكلم عن ولادة "خليل" إبن شجرة الدر والصالح نجم الدين أيوب وبعدين واحد من الحشد انتبه ل "نور" كإنه مكنش شايفها قبل كدا وزي ما يكون كان مستغربها زي ما هي مستغرباه، والضباب لما ركبوا التاكسي بدأ يختفي. كل الجزء دا "شهد" مشفتوش! عشان كدا كانت مكنتش فاهمة موضوع الضباب اللي "نور" اتكلمت عنه وبرضه الراجل صاحب عربية الفول كان مستغرب نظرات "نور" كإنها بتراقب حاجة وراه...
أما "شهد" فالبيت اللي شافته في المعز، اللي ظهر فجأة وكان جواه "توران شاه" لما كان سكران وبيلعب بالسيف وبيقطع الشموع ويتخيل إنهم المماليك فدا هي بس اللي شافته و"نور" مشافتهوش..
مشهد اغتيال "توران شاه" وموكبه وقطع صوابعه بالسيف وحريق برجه الخشبي وهروبه وهو بيتحرق وغرقه في البحر، "نور" بس اللي شافته..
أما المشترك ما بينهم كان مشهد الاتفاق على قتل توران شاه واختفاء باب الفتوح وظهور الراجل اللي شايل صندوق الدنيا وقتل شجرة الدر..
-إيه بقى بالظبط اللي حصل اليوم دا؟
"شهد" سألت "نور"."نور" ردت :
-إحنا شفناهم، دا اللي متأكده منه، شفنا الشخصيات والأحداث الحقيقية.. التفسير بقى، معرفش، أي حاجة هنقولها وهنفكر فيها هتبقى ساذجة ومش منطقية، "تداخل أزمنة"؟ ، "أشباح"؟ الغريب كمان إننا مشفناش بس الأحداث المرتبطة بالأماكن اللي كنا فيها، إحنا شفنا أحداث مرتبطة بالشخصيات بس ف أماكن تانية، زي القصر اللي عايش فيه توران شاه ومكان قتله، دا المفروض كان في دمياط مش في المعز ولا القاهرة كلها ، وفي فجوات، فجوات في الذاكرة بتاعتنا كمان، زي انتقالنا للقلعة واحنا مش مدركين...
القصة بتنتهي بإنهم مش هيلاقوا تفسير محدد وإنهم بعد مناقشات وجدال كبير قرروا يخرجوا بقصتهم للناس، يحكوا عنها برغم إنهم كانوا متأكدين إن ناس كتير هتقول عليهم نصابين وبيسعوا للشهرة والفلوس، حتى لو تصرفهم دا قضى على مستقبلهم المهني وسمعتهم....
.........................
مكنش قادر أبطل تفكير في مسودة الكتاب بعد ما خلصت قراية، أسئلة كتير ف بالي، فضول هيقتلني، ملقتش قدامي غير حاجة واحدة بس أعملها. كلمت "شهد" اللي اديتني المسودة عشان أقولها رأيي وكلمت "نور" وطلبت إحنا التلاتة نتقابل.
الجو كان مكهرب، كان في ذبذبات كدا مش مريحة. أكيد كان واصل لهم التوتر والحيرة اللي كنت فيها، عيني مجتش ف عينهم وأنا بسلم عليهم وملامحي كانت جد جدًا...
=أنا هنا عشان عايز أتناقش معاكم بخصوص الكتاب بتاعكم.
-وماله يا "مالك" أنت مش بس معيد، أنت المساعد بتاعنا وبنعتمد عليك في حاجات كتير وبعتبرك صديقنا.
=عشان كدا هتبقوا صرحا معايا مش كدا؟
"نور" بصت ل"شهد" بصة خبيثة وهي بتبتسم على خفيف وبعدين بصتلي وقالت:
-أكيد يا "مالك" ، هنكون صرحا معاك.
=مبدئيًا كدا إنتوا بجد ناويين تنشروا الكتاب دا؟
-لسه مقررناش، ولو نشرناه منعرفش الميعاد، ممكن حتى ننشره بعد ما نموت!
=نعم يا "شهد"، تنشروه إزاي يعني بعد ما تموتوا؟
-"شهد" قصدها إننا ممكن نسلم المسودة لحد تاني ونوصيه ميسعاش لنشر الكتاب غير بعد ما احنا الاتنين نموت، عشان الناس تتأكد إننا مش بنسعى لا لشهرة ولا فلوس.
=ودا بقى ينقلني للسؤال التاني، الكتاب دي وأبطاله هم...
-هم إحنا يا "مالك"، القصة اللي جوا الكتاب حقيقية 100% واحنا أبطالها.
=يعني عايزين تقنعوني إن كل الأحداث دي حصلتلكم بالفعل؟!
"شهد" بصت لي وهي بتبتسم وردت:
-أظنك عارف الإجابة من جواك وإلا مكنتش جبتنا عشان نقابلك من الأساس,
قمت من مكاني ولفيت لفة كاملة كإني متدروش، هتجنن، معقول دا يكون حصل فعلًا؟!
"شهد" طلعت من شنطتها كتاب وإديتهوني، قالتلي أفتح الصفحة 320 وأقرا اللي مكتوب فيها...
الكتاب كان تاريخي، عن "شجرة الدر"، والصفحة 320 مع شوية صفحات قبليها كانت بتحكي عن قتل "شجرة الدر" والمشاهد الأخيرة ليها..
السطور بتحكي إن قبل ما شجرة الدر بتموت قالت جملة غريبة نقلتها "أم علي" لناس تانية بعد كدا. "شجرة الدر" زي ما تكون كانت شايفة حاجات محدش كان شايفها .كانت بتهلوس وقالت:
-غريب أمركم، غريبة هيئتكم! هتفضلوا واقفين؟؟ إنقذوني!
ودي كانت جملتها الأخيرة قبل ما يجروها ويرموها من على سور القلعة.
قلت وأنا بزعق:
=مستحيل! عايزين تقنعوني إن إنتو كنتوا فعلًا هناك وإن آخر كلماتها كانت موجهة ليكم، عارفين دا معناه إيه؟
-معناه أن كتير من "الأطياف" و"الأشباح" اللي بنشوفها ببساطة هي بني آدمين من أزمنة وأماكن تانية ظهروا، يمكن من غير وعي أو تحكم منهم وزي ما إحنا بنبقى مذهولين ومخضوضين منهم، هم برضه بيشوفونا أطياف وبيبقوا مخضوضين بنفس القدر!
=أيوه لكن لو دا ممكن، معناه أن اللي بيسافروا عبر الزمن ممكن يغيروا مجرى الأحداث ومش هيبقى في نظام، والكون ماشي بنظام دقيق، مش مسموح بالفوضى اللي هتسبب فيها الظاهرة دي.
"نور" ردت بتحمس:
-وإحنا بقى قدرنا نغير إيه في الأحداث؟ كل اللي حصل أن الشخصين اللي شافونا في لمحة وهم الراجل اللي كان من عامة الشعب في احتفال ولادة "خليل" و"شجرة الدر" في الغالب افتكرونا أشباح، بالنسبة لهم كنا خيالات ملهاش أي تأثير على ساحة الأحداث، محدش يقدر يغير القدر يا "مالك" ولو حتى وصل للسر وقدر يتحكم في الحركة برا الحدود الفيزيائية والزمن.
=قدر يتحكم؟! طيب الراجل، بتاع صندق الدنيا قال إنكم عملتوا حاجة اتسببت في دخولكم الدوامة دي، أنا تقييمي اللقطة اللي إنتي فيها كنت هتتكعبلي يا "نور" لما الولد خبطك وإنتي ماسكة القهوة، في نمط معين للحركات اللي عملتيها فتحت حاجة زي بوابة خفية، بوابة ما بين زمنين...
الاتنين كانوا باصين ليا بإعجاب شديد، بس زي ما يكونوا مكانوش متفاجئين باللي بقوله، هم فعلًا عرفوا! وصلوا لإن الحركة اللي تشبه لعبة الأولى أو الشطرنج هي اللي فتحت الدوامة، زمن بيخبط ف زمن وبيتداخلوا...
"شهد" قالت إنهم بعد تفكير ومراجعة أحداث اليوم لقوا إن نقطة الإنطلاق، البداية كانت بعد حركة "نور" العشوائية ومن وقتها وهم قرروا يجربوا نفس الحركات.. طبعًا منجحوش في الأول ، "نور" مكنتش قادرة تفتكر بالظبط النمط اللي اتحركت ونطت بيه، لكن مع محاولات كتير عرفوا بالظبط الترتيب...
قلت وأنا بحرك عيني ما بين الاتنين:
=نعم؟ يعني إنتوا دلوقتي بتقدروا تتحركوا ما بين الأزمنة بكيفكم؟ مفيش آلة زمن ولا حاجة، هي بس خطوات، لعبة كوتشينة ، ورقة بتتحرك وبس؟
-مش مصدقني هات إيديك.
مديت إيدي ل"نور". قامت بيا وهي لسه ماسكة إيدي، اتحركت خطوات بسيطة في كذا اتجاه...
بصيت حواليا، كنت ف محل كبير، الناس ستلاياتها غريبة، لابسين على موضة قديمة أوي.. قدرت المح من بعيد فترينة المحل، على الإزاز كان مكتوب حروف ملخبطة عشان كنت جوه المحل والحروف معكوسة، بس قدرت أميز الإسم، "شيكوريل"..فجأة سمعت صوت عالي بشع وشفت لهيب أحمر بيعلى، نار كبيرة برا المحل، في الشارع وبسرعة بقت تنتشر، اتسللت لجوه المحل.. بطرف عيني لمحت نتيجة كانت متعلقة ، 26 يناير 1952...
سمعت صوتها ... "نور". قالت:
-اه صحيح، نسيت أقولك، النهارده 26 يناير في زماننا والزمن دا، 26 يناير 1952 هو يوم حريق القاهرة...
"تمت"








































