بدأنا بتوقعات..وقفلنا بحاجة تانيه خالص...
فى البداية..العنوان والوصف أن الكتاب "رحلة فى المطبخ القبطى بوصفاته المتنوعة" ...ادونى ايحاء إن الكتاب يكون أشبه بالوقوف فى المطبخ مع طنط ناديه..طنط ساميه..طنط كرم...طنط من الكثير من ال"طنط" من العائلات المسيحية الصديقة ..كلام عن طرق الطبخ وتراث الاكل...كتاب فى الخفيف يعنى...
لكن... المفاجأة انى على مدار حوالى اسبوعين...أكلت وجبه دسمة جدا من علم الاجتماع... الانثروبولوجيا...التاريخ...مع سيرة ذاتيه و لمحة فلسفه لا يستهان بها..
الكتاب يدخل فى نطاق الكتابة الإبداعية الغير روائيه.. creative nonfiction...ودا نوع من الكتابه نادر جدا حاليا في الكتابات العربية...والكاتب هنا كان شديد البراعة...لغته عربيه فصحى ...بيدمج الألفاظ العاميه بشكل رائع بدون كسر لرصانة الفصحى...الأفكار و الوضوح و التسلسل والترابط فوق الممتاز....
لكن...الكتاب لم يكن عن المطبخ القبطى...الكتاب كان عن غربه أقلية بتجاهد للحفاظ على مفرداتها الثقافية وسط أغلبيه منها المكترث..ومنها من لا يكترث..ومنها شديد العداوة الرافض لوجود الآخر ...ورفضه بياخد أشكال كتير من التخنيق على العادات والتقاليد الخاصة بالأقلية وصولا للعنف المسلح الصريح..وسط كل دا بيجاهد المصرى القبطى للتمسك بهويته..وفى نفس الوقت عدم الاحساس بالغربه فى مجتمعه...
ليبدأ الكتاب بتلخيص فلسفه و تاريخ الصيام المسيحى ...و ما يباح أكله فى الصيام والغير مباح... بعدين بيتكلم على رمزيه بعض الاكلات زى السمك..القلقاس...الملح..النبيذ..
بيدخل فى مناطق شائكه..زى تصورات المسلمين عن المسيحيين أنهم عايمين فى الخمور ولحم الخنزير...و ازاى فى موقف دفاعى الأقباط بيتخذوه عشان يقدروا يكونوا أكثر اندماجا مع المحيط....وضع المسيحى خلال صيام رمضان...الاكل فى نهار رمضان بين الامتناع عنه بسبب الذوق والمشاركة في بعض الأحيان والخوف فى أحيان أخرى...أو تعمد الأكل لاعلان الهويه في مجتمع ضاغط بيتعمد طمسها أو فى أفضل الأحوال تجاهلها...أو اتخاذ الذرائع زى انفلونزا الخنازير لضرب النشاط الاقتصادي للأقباط فيما يعرف بمذبحة الخنازير...
بيدمج الكاتب بين سيرته الذاتية وسيرة عائلته المسيحية المصرية من الطبقة الوسطى لطرح قضايا صعبه بشكل ساخر بلا تكلف ...سخريه لا تفقد القضايا رصانتها ولا ثقلها...
الكتاب لم يكن عن غربه المسيحي المصرى "القبطى" فى مجتمعه بس....الكتاب عن غربه الكاتب نفسه وسط المجتمع القبطى من ناحيه..و مجتمعه الكبير من ناحيه..وموقفه من الأديان ككل اللى وصله فى الآخر أنه يكون لا دينى....
تناوله للطعام والشراب بمختلف أنواعه وكمياته فى الأديان المختلفة..ووجهه نظره الشخصية في الطقوس الدينية المصاحبة للاكل و تحريم أكلات بعينها فى بعض الديانات.بيلفت النظر لمشكله بتواجه الكثير من جيلى و الكثير جدا من الأجيال الجديدة...البعد عن الدين بسبب عدم فهم الطقوس أو كونها غير منطقية فى نظر البعض...مع الردود الكليشيه الموجودة منذ زمن وغير قادرة على مخاطبة الجيل الجديد.. مشكله لا تقتصر على دين معين..الكل بيعانى منها...
تظهر المشكلة فى أقصى صورها واحنا بنستعرض موقف الأديان من الاكل..الاكل هو متعه أليفة..متنوعه...طيبه...مش بتأذى غير اللى بياكل دا لو فيها ضرر...بالتالى الامتناع عنه تماما أو الامتناع عن تناول المشتقات الحيوانية مثلا له مغزى آخر بالضرورة غير الامتناع عن المتعة اللطيفه دى... التقشف.. الاستغناء..معانى كتير بيحملها الطقس الدينى ...والا سيتحول فى نظر الكثيرين لطقس هزلى فارغ من المعنى ..أو يتحول نتيجة الممارسات المصاحبة للطقس لشىء مناقض تماما لمعنى الطقس الدينى نفسه..زى همجيه البعض في ذبح الاضحيه فى عيد الأضحى...
يبدو الكاتب بكل هذه التساؤلات شخص متمرد بلا حدود فى السؤال والجواب... شديد الانتقاد لمجتمعنا الكبير..و مجتمعه القبطى ...حتتضايق منه اى كان دينك وهو بيسخر من رمزيات دينيه...وحيصعب عليك وهو بيحكى عن ساندويتش المدرسه فى رمضان...حتتخض منه وهو بيتكلم عن شخصيات لها وزنها الدينى والاجتماعي حتى لغير المسيحيين...و حتزعل من نفسك وهو بيتكلم عن معنى التصفيق فى قداس الاعياد و ازاى بيكشف عن مدى تقبل الأقباط لشخصيات بعينها أو عدم تقبلهم لها....ازاى اخوك وجارك وصاحبك اللى بتشوفه كل يوم خايف وبيتلفت فى كل لحظة و مستنى يعرف حيخنقوا عليه زيادة ولا فى انفراجه وهو بيحلل مين حضر قداس الاعياد وقال ايه ويا ترى الايام مخبيه له ايه...
كتاب ممتع و مميز وله شخصية وسط كتابات شديدة الضحالة فقيرة اللغة والفكرة...يستحق القراءة بتركيز شديد...
اتمنى أقرأ تانى لنفس الكاتب..واتمنى له بشكل شخصي أن يجد السلام و تهدأ إشتباكات نفسه مع نفسه ومع من حوله....اتمنى أن يجد إيمانه بعد ما فقده...
شكرا له على هذا الدرس الثقيل فى المواطنه والكتابة معا...