تبدو الأرض أحيانًا ككائنٍ أنهكته السنين، تستند إلى نفسها بصمتٍ ثقيل، وقد أضناها ما مرّ عليها من أقدامٍ وحكايات. كل نبتة على سطحها تنحني كأنها تتذكّر تعبًا قديمًا، وكل حبة تراب تحمل وجعًا لم تجد له لغةً لتقوله. حتى الأفق، ذلك الخط البعيد الذي كان يومًا وعدًا، أصبح الآن ستارًا باهتًا يشقّه الغبار ويهتزّ تحت ثقل الرحلة الطويلة.
في هذا المشهد المتعب، تتبدّى الطبيعة كصفحة كُتبت عليها أعمار كثيرة.
الأشجار التي كانت تُظلّل الحياة بطمأنينتها، تقف اليوم كأعمدة منهكة، تجردت من أوراقها ومن حكايات كانت تتمايل في الريح. الصخور الصامتة، التي شهدت ميلاد أجيال ورحيل أخرى، تخفي في داخِلها صدى أيامٍ لم يعد أحد يتذكر تفاصيلها، لكنها ما تزال تنبض في ذاكرة المكان.
والسماء فوق كل ذلك ليست أقلّ تعبًا.
تبدو كقبة مشروخة، تتسلل منها نظرات النجوم كأعينٍ تبحث عن أملٍ بعيد.
الفضاء الهادئ يحمل في طياته صوت المعارك القديمة، وأصداء الخراب الذي مرّ فوق هذه الأرض وكأنه غيمة سوداء لم تجد ريحًا تزيحها.
ومع ذلك، تهبّ رياح خفيفة من حين لآخر، كأنها تذكير بأن الذاكرة ليست كلها وجعًا. تمرّ فوق التراب المتصدّع وتترك فيه أثرًا من العذوبة، فتتحرك الأنهار بروحٍ جديدة، كأنها تبكي وتبتسم في اللحظة نفسها. كل قطرة ماء تنزل على الأرض المتعبة، تشبه يدًا تربّت على كتفٍ مثقل، وتقول له: “لم ينتهِ كل شيء بعد.”
الزهور التي كانت يومًا عنوانًا للبهجة،
تبدو اليوم كظلالٍ لونية خافتة،
تميل برأسها نحو الأرض احترامًا لحكاياتها،
كأنها تعتذر عن غياب الربيع الذي لم يأتِ.
وعندما يمرّ الإنسان في هذا المشهد،
يشعر بأن الزمن ليس مجرد ساعة تدور،
بل ثقل يتوزع على الروح والطبيعة معًا.
يلمس التعب في جذوع الشجر،
وفي صمت الصخور،
وفي الهواء الذي يحمل ذاكرة لا تُروى إلا لمن يُصغي جيدًا.
ومع كل هذا الوهن، يبقى شيء صغير لا يموت: الأمل.
الأمل الذي يختبئ في شقّ صغير في الأرض،
وفي نبتة تقاوم العطش،
وفي زهرة تنبت رغم العتمة.
الأرض — رغم أنينها — تعرف كيف تتعافى،
وكيف تعود من تحت الرماد،
وكيف تخبئ في أعماقها بذورًا لا يقدر الزمن على قتلها.
وهكذا، تبقى الأرض كتابًا مفتوحًا،
يسجّل بصمتٍ كل ما مرّ عليها:
ألمها، صمودها، وانبعاثها من جديد.
لأن الجمال الحقيقي، مهما تهشّم،
يظلّ يحمل في داخله قصةَ عذابٍ…
وقصة نجاة.





































