أجلس على حافة الرصيف، أراقب المدينة وهي تتنفس. الأضواء ترتعش كعيون كائن حي، تصحو وتغفو مع مرور السيارات. أصوات خطوات المارة تتشابك مع خرير ماء النوافير الصغيرة، ومع رائحة القهوة التي تتسلل من مقهى قريب، لتضيف دفئًا خفيفًا للهواء البارد.
وجوه الناس تمرّ أمامي كصفحاتٍ غير مكتملة، كل حركة صغيرة، ابتسامة خاطفة، نظرة سريعة، تقول شيئًا عن العالم الذي يختبئ داخلهم. الطريق تحت أقدامهم ليس مجرد امتداد، بل شريط زمني يلتقط اللحظات ويعيد ترتيبها داخلي. كل منعطف، كل زاوية، كل صمت بين الأجساد، يكشف لي شيئًا عن نفسي لم أكن أعرفه من قبل.
الوعي الجديد لم يعد حدثًا كبيرًا، بل أصبح طريقة للرؤية: ألاحظ الحرارة الخفيفة التي تصعد من كوب الشاي في يدي، وأستمع للمطر حين يطرق النوافذ كأن المدينة تهمس باسمي، وأتابع نظرات العابرين بلا حكم، فقط كحقيقة صامتة تستحق الاكتشاف.
لا وعد، لا فراق، لا فرح ولا حزن. مجرد إدراك عميق، صامت، يجعل كل شيء حولي أكثر وضوحًا، وأكثر حياة. حتى التفاصيل الصغيرة، كانت دائمًا هنا، لكنها الآن تصبح محورًا، وكل لحظة تمتلئ بمعنى جديد.








































