كانت تلك الجملة كفيلة بانهيار كل حصوني التي بنيتها لأخفي بها حزني وإحساسي باليُتم في غيابه، فانهمرت دموعي كالشلالات رغم أن وفاته قد مر عليها ثلاث سنوات. كانت مجرد جملة تقريرية عادية تخبرني بحقيقة أدركها وليست مفاجئة لي، لكنها فجرت كل أحزاني التي أخفيتها طويلًا وأشعرتني أني وحيدة في هذا العالم وقد فقدت من أحبني بصدق بلا غرض وكان لي أبًا وناصحًا وحاميًا ومحبًا بطريقته. فقدت بغيابه الأمان فرغم كبر سنه ومرضه كنت أشعر أنه موجود وسألجأ له حين احتاجه واحتمي به، فقد كان مجرد وجوده في الدنيا أمان. كان بيته كقلبه يتسع للجميع فيرحب بنا ونلجأ إليه في كل وقت ولم يغلق بابه في وجهنا أو في وجه أي مخلوق حتى الغرباء. كذلك كان قلبه رغم ما يُبديه أمامنا من صلابة لكننا نعلم أنه يهتم بنا جميعًا ويخاف علينا ويبذل كل جهده لإسعادنا حتى في مرضه وكبر سنه واحتياجه هو للحب والرعاية كان يمنحنا اهتمامه ويغمرنا بدعواته ويخفي عنا آلامه حتى لا نتألم لأجله ولا يبدو ضعيفًا في نظرنا وهو الجدار الصلب الذي نتكئ عليه جميعًا.
في مرضه الأخير كنت أعلم أن لحظات الوداع وشيكة وأدعو له أن يشمله الله بلطفه ورحمته وأتهيأ لخبر فقده، حتى يوم وفاته كنت صلبة متماسكة وكانت حزني وتحكمت في دموعي من أجل أمي وأبنائه.
لكن بعد رحيله اكتشفت مدى هشاشة قلبي الذي أنهكه الفقد والحزن، والحنين لقلب لم يبخل علينا بحب أو اهتمام أو رعاية، وأدركت أني بعده يتيمة وليس لي أحد، ولن يقدر أحد أن يعوض مكانته في حياتي وقلبي.
فكلما تذكرت رحيله أو ذكرني به أحد أشعر بيُتمي من بعده وتنهمر دموعي ويفتك الحزن بقلبي وكأني تلقيت خبر وفاته للتو.
هناك أشخاص في حياتنا إن غابوا ليس لهم بديل ويظل حزننا على فراقهم يؤلمنا لآخر لحظة في عمرنا، فنحن نبكي حالنا وحياتنا بدونهم ويقتلنا الحنين بحبهم غير المشروط.








































