كما قال المخرج العالمي ستيفن سبيلبرغ: «عملي الذي أتقاضى عليه مالاً وفيراً هو أن أحلم».
لكن هناك أشخاصاً حلموا، وسعوا، ونفّذوا، وأبدعوا، وتركوا أثراً، فيما آخرون عاشوا ورحلوا وكأنهم لم يمروا على هذه الدنيا أبداً. ومن أسرع المجالات التي تصل إلى الناس البسطاء، الذين تقلّ فرصهم، هو مجال السينما.
من أغرب المعلومات التي عرفتها وأنا صغيرة عن هذا المجال، أنّ مسلسل البخيل وأنا لم يكن فقط من بطولة فريد شوقي، بل من تأليفه أيضاً. هذه المعلومة غيّرت نظرتي إليه، إذ نقلته من صورة "الوحش" الذي يمثل بجسده وعينيه، إلى صورة الفنان الذي يجمع بين الفكر والقوة البدنية، وتلك نعمة في حد ذاتها.
فريد شوقي الذي لُقِّب بـ "ملك الترسو"، والـ "ترسو" هو الدرجة الثالثة من تقسيم مقاعد السينما، خُصصت للطبقة البسيطة من العمال وأهالي الأحياء الشعبية، بعد "البلكون" الذي كان مخصصاً للطبقة الثرية والمثقفين، و"الصالة" التي كانت لذوي الدخول المتوسطة.
فريد الذي نجح في الأكشن والتراجيديا والاجتماعي والكوميديا بوقار ورزانة، هو نفسه الذي قدّم أفلاماً لم يكن بإمكان غيره أن يقدّمها، باستثناء فيلم أمير الدهاء الذي أبدع فيه أنور وجدي تحت اسم أمير الانتقام.
🎞 فيلم جعلوني مجرماً – إنتاج 1954 🎞
هذا الفيلم مبني على قصة حقيقية لشاب دمّرت "سابقة أولى" مستقبله. العنوان كان واقعياً ومؤلماً، فنحن بالفعل نصنع المجرم أحياناً بالتحريض أو التشجيع أو تقبّل الخطأ، وأحياناً بالصمت المخزي والخائن. وقد أدّى هذا الفيلم إلى إلغاء نظام "السابقة الأولى" من صحيفة الحالة الجنائية، وكاد أن يضع منهجاً جديداً في الفكر الجنائي، إذ جعلهم ينظرون للمجرم لأول مرة على أنّه إنسان قد يخطئ أو يصيب، لا شيطاناً مطلقاً. وهناك الكثير من المجرمين بالصدفة.
🎞 فيلم كلمة شرف – إنتاج 1972 🎞
بدأت قصة هذا الفيلم من مكالمة هاتفية أجراها فريد شوقي مع أحمد مظهر، سأله فيها: «إذا كان السجين على وشك أن تفارق زوجته الحياة، أليس من حقه أن يخرج ليراها؟». عندها أغلق أحمد مظهر الهاتف وبدأ فريد في كتابة الفيلم، الذي غيّر قوانين السجون، حيث أتاح للنزيل أن يخرج استثناءً لزيارة أهله في ظروف محددة.
ومن الطرائف في هذا الفيلم أنّ الدور الذي أدّاه أحمد مظهر كان مرشّحاً له في البداية رشدي أباظة، لكن تم تعديل الاختيار في اللحظة الأخيرة. وعندما عرضوا على رشدي أن يظهر بدور المفتش، وافق بتواضع أن يكون ضيف شرف في مشهدين فقط، بعد أن كان مرشحاً لدور البطولة.
"فريد بك شوقي"، كما كان يناديه الأتراك الذين أنتج عندهم عدداً من الأفلام، قدّم خلال مسيرته الفنية ما يزيد على 400 فيلم بين إنتاج وتمثيل ومشاركة في كتابة السيناريو، ومثّل في أكثر من 320 فيلماً، في زمن كانت فيه السينما ملاذاً للبسطاء، والحالمين، والطامحين، ومتنفساً للمكافحين الذين ضاقت بهم الحياة وفرص رؤية العالم من حولهم.
رحم الله فريد شوقي، ملك الترسو والبلكون.








































