أيَعرِفُ أحدُكم حوضًا من الزجاج يسَعُ روحي الممزقة؟
أجمع أشلاءها فيه، وأرويها بماء المطر، وأواظب على رعايتها ومواساتها.
سيساعد النقشبندي في ذلك تطوّعًا، وستسدّ زقزقة عصافير سعيِ الصباح الفجواتِ الصغيرة،
أما الثقوب الواسعة، فستحتاج حياكةً ماهرة من دعوات أمي التي أفتقدها.
يمكن تعويض جزء منها بدعوات الخالات، وكل الجدّات الطيبات.
هناك فتافيت متفرقة، سألمّها في ركنٍ صغير، وأمزجها بقطرات الأمل،
وأخبزها في فرن الصبر.
سأضع لافتةً كبيرة على لوح الزجاج، مرسومٌ عليها وجهي المبتسم،
لأستر بها دموعي أثناء التئام الروح.
لا أذكر أول مرة اشتبكتْ روحي في مسمارِ حزن،
لكني لا زلت أذكر الألم، وأذكر متعة التهام المسكنات، ونشوة بداية المفعول.
سأترك سقف الحوض مكشوفًا، فوق سطحٍ عالٍ قريبٍ جدًّا من السماء،
فتغمز لي النجوم بحفظ السر، بأنني سأكون بخير.
سأغيّر لوني في هذه العملية.
سآخذ قليلًا من الغضب، والضحك بصوت عالٍ، وطلاقة التعبير، لدفع الأذى.
سأخلع عني كِتماني، وسأشتري الكثير من الثرثرة،
والقليل من الخجل، ينضح على وجهي وقت الضرورة فقط.
سأعيد قراءة التاريخ كلّه، والشعر كلّه،
لأحلّ ألغاز المستقبل بسهولة،
فلا تُرجّني الفواجع، ولا يُزلزلني الفقد، ولا يُفاجئني الخذلان.
سأغير جلدي، وأجعله ناعمًا جدًّا، حتى لا يلتصق به أذى،
ولا يتعلّق به أحد.
سأصبّ شمع النسيان بين فراغاتي،
ولا أخرج إلا في الشتاء.
سأغيّر أيام الأسبوع لتصبح كلّها لي، وللحمام، وللأشجار، وللقطط.
سأصطحب قطتي "لي لي" في نزهةٍ على البحر،
سأبلل أقدامها في الماء المالح، لأزيل عنها الحسد.
سأشتري كرسيّ بحرٍ مريح، مثل كراسي الثمانينات:
جزءٌ خشب، وآخر قماش ملوّن، ألوانٌ فاقعة مثل شمسيّتي الكبيرة
التي تَكيدُ الشمسَ بنصاعتها.
لن أشكو شيئًا للبحر،
سنضحك سويًّا على سذاجتنا، فقد تغيّرت رائحته من كثرة همومنا.
سأحذف الأشلاء التي تضرّرت بشدّة.
لن أُصلح شيئًا أبدًا. فقط سأجمع ما يمكن جمعه،
وأُعيد ترتيبه ليصبح شيئًا جديدًا جدًّا.
سأحذف كلّ سنوات العمل، وسألغي فقرة الضغوط.
سأضمّد نفسي بمِسْبَحةٍ كبيرةٍ منقوعةٍ في ماء زمزم.
سأغيّر إقامتي بعد الجمع، وأعيش في مدينةٍ أُخطّطها بمعرفتي،
مُلوّنةٌ كلّها، لا مواصلات فيها، ولا سفر، ولا بلاستيك، ولا مصانع.
فقط خبّاز على ناصية الشارع، يفتح مع الفجر،
وينام في العاشرة، يعطّر الشوارع بالفانيلا القوية والشيكولاتة الساخنة.
سأُسَوّر المدينة بدوّار الشمس، وأضع شجرة وارفة في المنتصف،
يلعب الكبار حولها الغميضة... من الحزن.
سأبني فوق كل منزلٍ برجًا للحمام،
وحول كل واحدٍ حديقةً للطعام.
سأسمح فقط للممزّقين أمثالي بالسكن فيها،
وغير مسموح بالزيارة لكاملي الأوصاف.








































