لم أكن أبحث عن البطولة يومًا، كنت مجرد موظف صغير في مؤسسة حكومية ضخمة،
تدور تروسها كما تدور آلة صدئة، لا تعرف سوى الطاعة، ولا تسمح بسؤال “لماذا؟”.
كنا نعمل تحت شعارٍ كبير معلّقٍ على الحائط: “العدل أساس الملك”،
كنتُ أظن أنني محايد، أُنجز عملي بصمت، وأتفادى الصدام،
لكنّ الحياد في زمن الظلم ليس نجاة، بل نوعٌ ناعم من الجريمة.
كل شيء تغيّر يوم جاء القرار بفصل زميلي “أحمد رشدي”.
كان رجلاً شريفًا، لم يسرق وقت الدولة، ولم يبع ضميره،
لكنّه ارتكب الخطيئة الكبرى: قال “لا” في اجتماعٍ علني،
حين قرر المدير أن يقتطع من ميزانية الفقراء ليموّل احتفالًا فاخرًا باسم “يوم الوطن”.
بعد الاجتماع بيومين، صدر القرار: “يُنهى تعيين الموظف أحمد رشدي لأسبابٍ إدارية.”
أسباب إدارية!
كلمةٌ من ثلاثة أحرف دفنت فيها كل معاني العدالة.
لم أستطع السكوت.
دخلت على المدير – الذي كان يزيّن مكتبه بصورةٍ ضخمة للرئيس –
وقلت:
ـ “سيدي، أحمد لم يُخطئ، هو فقط قال الحقيقة.”
رفع رأسه ونظر إليّ كما ينظر الحاكم إلى متّهم.
قال بنبرةٍ متعالية:
ـ “الحقيقة يا بنيّ؟ نحن من نُعرّف الحقيقة.
من يخرج عن الصف، لا مكان له بيننا.
هذه البلاد لا تُدار بالشعارات، بل بالطاعة.”
ثم أخرج من درج مكتبه ظرفًا أنيقًا ودفعه نحوي.
ـ “خذ هذا بدلًا من نصيحة، اعتبرها مكافأة على حسن نيتك، وابقَ في مكانك. لا تكن بطلًا، فالأبطال يُعدمون أولاً.”
خرجت من مكتبه وأنا أشعر بأن الهواء في الممرات يضيق.
كأن الجدران نفسها تعرف الظلم وتُشارك فيه.
جلست في مكتبي أتأمل الوجوه المرهقة من حولي،
كلنا كنا ضحايا، لكن بعضنا اختار أن يصبح جلادًا كي ينجو.
في تلك الليلة، عدت إلى البيت متعبًا، وفتحت التلفاز.
كان المذيع يتحدث عن “ الإنجازات” و“عدالة التوزيع” و“وطن يتجدد بالخير”.
ضحكت بمرارة، ثم أغلقت الشاشة.
تذكّرت أحمد، وتذكّرت الظرف الذي ما زال في جيبي.
فتحته، فوجدت داخله مبلغًا بسيطًا ورسالة بخطٍ أنيق:
“الصمت أمن، والكلمة خطر.”
تأملت الجملة طويلًا.
كم تشبه هذه البلاد!
يعطونك لقمة لتصمت، ثم يسمّون سكوتك ولاءً.
كنت أرى القهر في تلك المصلحة الحكومية يتكاثر، كما يتكاثر الغبار في غرفةٍ مغلقة، والفساد ينتشر كالجراد.
وفي صباحٍ رمادي، علّقوا على باب مؤسستنا بيانًا جديدًا:
“تمت ترقيات استثنائية لمن أثبتوا إخلاصهم للدولة.”
كان من بينهم المدير نفسه.
تذكرت وقتها مقولته لي: “نحن من نُعرّف الحقيقة.”
جلست في مكتبي، نظرت إلى النافذة العالية التي تُطل على ساحةٍ بلا أشجار،
وقلت في نفسي:
“لا تنتظر الربيع من صحراءٍ لم تعرف المطر.








































