في الطابق الثامن من مبنى شركة النور للتوريدات، كانت الحياة تمضي ببطءٍ يليق بمكانٍ فقدَ فيه الموظفون شغفهم، وتحوّلت ساعات العمل إلى انتظار ثقيل حتى نهاية اليوم. لكن كل شيء تغيّر صباحَ ذلك الإثنين، حين أعلن المدير العام، لطفي البكري—رجلٌ اشتهر ببخله أكثر مما اشتهر بحزمه—عن قرار جديد:
إقرار حافز شهري للموظفين المتميزين.
ساد الهمس أرجاء المكتب، وانفرجت بعض الوجوه التي لم تعتد الابتسام.
قال سامح، وهو أحد أقدم الموظفين:
– لعلها بادرة خير، ربما تغيّر الحال.
هزّ زميله فادي رأسه قائلاً:
– مع لطفي !!! لا أظن. وراء الأمر ما وراءه.
لم تمضِ ساعة واحدة حتى وصلت شروط الحصول على الحافز، مكتوبة بخط صغير كأنها عُمدَت لتكون مبهمة:
_الحضور قبل موعد العمل بربع ساعة.
- عدم التأخر أو الغياب مطلقًا.
_إنجاز المهام بنسبة 120% “وفق تقدير الإدارة”.
_عدم الاعتراض على القرارات، ولا حتى التذمّر.
_الالتزام بابتسامة دائمة “تعكس روح الشركة”.
ضحك الموظفون لأول مرة لكن ضحكًا مرًّا. قالت ياسمين:
– تبقى أن يشترط علينا ألا نتنفس إلا بإذن الإدارة!
ومع ذلك، حاول الأغلبية الالتزام، فالراتب لم يعد يكفي، والحافز بدا كالمخلّص الصغير الذي يمكنه سد فجوة بسيطة في المصاريف.
لكن الشروط الصارمة حوّلت المكتب إلى حلبة صراع صامت.
صار كل موظف يراقب زميله، يترصّد غيابه أو تأخره ولو بدقائق، ويبحث عن هفوة يرفعها للإدارة طمعًا في الحافز.
تغيّرت العلاقات فجأة.
انقطعت الأحاديث ، وتلاشت الضحكات ، وتحول كل واحد إلى جزيرة منعزلة يحمل في قلبه الحذر والضغينة.
ومع نهاية الشهر، تجمع الموظفون في القاعة الصغيرة لسماع أسماء الفائزين.
وقف المدير أمامهم وهو يتصنّع الجدية:
– لقد اجتهدتم… بعضكم على الأقل. ووفق لوائح الشركة، تم اختيار خمسة فقط.
تبادل الباقون النظرات المليئة بالغضب. فمنهم من التزم بكل شيء، ومنهم من اجتهد حتى الإعياء..
وفي اليوم التالي، استلم الفائزون مكافآتهم.
فتح سامح ظرفه، فنظر إليه بذهول.
أمسك فادي ظرفه، ثم قال بحدة:
– مستحيل… هل هذا حافز؟!
كان الرقم ضئيلاً لدرجة مهينة.
خصومات هنا، واقتطاعات هناك، ورسوم “إدارية” غير مفهومة… حتى صار المبلغ النهائي أقل من نصف يوم عمل!
أدرك الموظفون جميعًا أنهم خسروا أكثر مما ربحوا:
خسروا ودّ بعضهم، وتفرّقوا بين حاسد ومحسود، ودخلوا في سباق لم يكن يستحق مجرد حفنة جنيهات.
وقف سامح وسط جمع من الزملاء وقال بصوت يسمعه الجميع:
– لقد جعلنا المدير نتصارع لأجل فتات. ليتنا أدركنا منذ البداية أن الحافز لم يكن إلا لعبة لإحكام السيطرة، وليس هدية لتحسين أحوالنا.
من تلك اللحظة، تغيّر شيء في الشركة .. ليس في الإدارة..
بل في نفوس العاملين..








































