كانت السماء في السادس من أكتوبر زرقاء صافية، تلمع فيها الشمس كأنها تبتهج بيوم مختلف. في القرية الصغيرة المطلة على النيل، كانت "ليلى" تمسك بيدها رسالة قديمة تكرر قراءتها كل صباح، وتغلقها بحذر كأنها قطعة من روحها. الرسالة بخطٍّ رجوليٍّ قوي، يحمل رائحة الرمل والعرق، وكلماتها تُبقي على شعلة الأمل متقدة في قلبها منذ عامٍ مضى.
كان "ياسر" زوجها جنديا فى الجيش، غادر في ليلة باردة من ديسمبر دون وداعٍ كافٍ. كان يقول دائمًا:
_حين أعود، سأبني لكِ بيتًا يطل على النيل، نزرع حوله الياسمين، ونسميه بيت النصر.
لم يكن يعرف أن النصر الذي سيأتي، سيُكلفه كل ما يملك… حتى روحه.
في ذلك اليوم، حمل المذياع أنباء الهجوم، وانطلقت أصوات الزغاريد في القرية.
خرج الأطفال يرفعون الأعلام، وارتفعت التكبيرات من كل بيت. غير أن قلب "ليلى" كان يخفق بخوفٍ دفين. لم تكن ترى الحرب كاحتفال، بل كغيمة من نارٍ قد تبتلع كل من تحب.
جلست أمام النيل، وعيناها تتابعان الموج كأنها تنتظر مركبًا يحمل الخبر اليقين.
كانت تشعر أن الريح القادمة من الشرق تحمل نداءات لا يسمعها سواها، نداءات من أرضٍ بعيدة اسمها "سيناء".
في الخندق الرملي، كان "ياسر" يجلس بين جنوده، يوزع عليهم الأمل ويبتسم، لكن عينيه كانتا معلقتين بصورة صغيرة يحتفظ بها في جيب معطفه، لصاحبة العيون العسلية التي وعدها بالياسمين.
الليل في الصحراء كان باردًا، كأن الصقيع يسكن العظام، غير أن دفء الحلم بالنصر كان يبدد كل وجع.
همس لزميله "فؤاد":
– لو رحلت قولوا إنني كنت أحب هذه الأرض… أكثر من نفسي.
عند الفجر، دوّت المدافع، وارتجفت الأرض تحت أقدامهم. تساقطت القذائف، وانهمرت الشظايا كالمطر. ركض "ياسر" نحو سلكٍ شائك، ليفتح الطريق أمام الدبابات. كانت يداه ترتجفان من العجلة، لكنه لم يتوقف، حتى اخترقته شظية في صدره.
سقط، ورأى السماء تبتعد ببطء. في اللحظات الأخيرة، أخرج الورقة التي كان قد كتب فيها رسالة جديدة إلى "ليلى"، لم تكتمل بعد. كتب فيها:
"حين أعود..."
ولم يُكمل الجملة.
في القرية، مرّت أيام الحرب كأعوام، كل بيت ينتظر عودة من ذهب.
وفي صباحٍ بارد من نوفمبر، طرقت باب "ليلى" سيارة عسكرية. نزل منها ضابط شاب يحمل قبعة "ياسر"، وعيونه تفيض بالأسى.
لم تحتج أن تسمع شيئًا.
القبعة وحدها قالت كل شيء.
جلست على الأرض، واحتضنتها كأنها رأسه.
كان الصمت ثقيلًا، حتى العصافير توقفت عن الغناء.
مرت السنوات، وتحقق النصر، وزُينت الجدران بصور القادة والجنود، إلا أن صورة "ياسر" ظلت محبوسة داخل إطار خشبي بسيط فوق طاولة صغيرة تطل على النيل.
كانت ليلى تضع أمامه كل صباح وردة ياسمين، وتقرأ الرسالة التي لم تكتمل، وتهمس:
_لقد عدتَ يا ياسر... في قلوبنا، وفي كل شبرٍ من هذه الأرض.
وفي المساء، حين تشتد الريح، كانت تسمع صوته يأتيها من بعيد:
_حين أعود... ازرعي الياسمين.
فتمسح دمعتها، وتهمس:
_زرعناه يا ياسر... في الأرض، وفي الذاكرة، وفي قلوبنا .
ثم تعود للبكاء في صمت..








































