آخر حاجة كنت أتوقعها إن الجريدة اللي بشتغل فيها تكلِّفني أغطِّي جريمة حصلت في البلد عندنا، وللعلم بالشيء مُش أكتر؛ بلدنا عبارة بلد بسيطة في الأرياف، لكن حابب أتكلِّم عن أحداث الحكاية نفسها، بغض النظر عن اسم المكان، وده لأن الجرايم عمومًا مش بتكون حِكر على مكان بعينه..
الحكاية بدأت لمَّا وصلت الجريدة في ميعادي زي كل يوم الصبح، وكالعادة صبَّحت على حسام زميلي في المكتب، وبعد ما قعدت وحسام قَلَش له قَلشتين؛ لقيت عم أيّوب الساعي داخل ورايا المكتب بفنجان قهوة، وبعد ما حط الفنجان قدامي قال لي:
-صباح الخير يا أستاذ مازن.
-صباح النور يا راجل يا بركة، تسلم إيدك على القهوة، ريحتها وَصلاني من أوِّل ما دخلت من الباب.
-بالهنا والشفا، بَس اشرب فنجانك وبعدها روح للأستاذ عدلي رئيس التحرير عشان سأل عنَّك.
لمَّا قال لي كده؛ رفعت عيني ناحيته وقُلت له:
-الموضوع مستعجل ولا في العادي؟
-مش مستعجل ولا حاجة، دَه قال لي أبلَّغك بعد ما تشرب قهوتك تروح له.
لمَّا خرج من المكتب بصِّيت لحسام وقُلت له:
-"يا مُنجِّي من المهالك يارب". يا ترى الأستاذ عدلي عاوز إيه على الصبح كده؟
رفع عينيه من على شاشة الكمبيوتر وقال لي:
-طالما ماطلبش من عم أيوب يحطَّك في شوال ويجيبك في المستعجل يبقى مافيش قلق، أكيد مكافأة ولا ترقية.
استفزِّني كالعادة، عشان كِدَه قلت له:
-يخرب بيت نَبرك يا أخي، من خمس سنين وأنت بتقول لي البوقّين دول؛ وأخرتها إني مرزوع جنبك مُش بتحرَّك، ولا بترقى ولا باخد مُكافآت.
-اصبر على رزقك يا مازن، اشرب قهوتك وبعدها شوف عاوزك في إيه وهتلاقي كلامي مظبوط.
خلَّصت القهوة وطلعت على مكتب الأستاذ عدلي، وبعد ما خبَّطت على الباب ودخلت قُلت له:
-صباح الخير.
-صباح النور يا مازن، تعالى أقعد عاوزك في موضوع.
لمَّا قعدت عرفت منُّه إنه عاوزني أعمل تغطية عن جريمة قتل، استغربت لأنه مكلِّفني بكام شغلانة ولسَّه مخلصوش، عشان كِدَه قُلت له:
-بس أنا لسَّه مخلَّصتش الشغل اللي حضرتك طالبه منّي!
وبدون تردُّد قال لي:
-وزَّعه على حسام وباقي زمايلك.
استغربت من إصراره إني أغطّي خبر الحادثة، ولمَّا حاولت أبعد الموضوع عنّي، فهمت من كلامه إنه واخد قرار نهائي في الموضوع، وعشان يقفل باب المناقشة قال لي:
-من الآخر، أنا مختارك أنت لأن الحادثة حصلت في البلد عندكم!
أخدت كام ثانية لحد ما استوعبت الصدمة، وبعدها نطقت وقلت له:
-جريمة قتل في بلدنا إحنا؟
-للأسف يا مازن، وبعدين مش عاوزك تتخَض، جرايم القتل وارد تحصل في أي مكان حتى لو تفاصيلها غريبة، عشان كِدَه اختارتك لأنَّك عارف البلد وعارف الناس، ومن السَّهل تتحرَّك وتكتب تقرير عن اللي حصل بكل سهولة، يعني عاوزك تروح البلد، وفي نفس الوقت تتابع الدنيا هناك وتخلَّص الشغل المطلوب منَّك.
مكانش في فرصة أخلع من الحكاية، بالعكس؛ دماغي انشغلت بالجريمة وبقى عندي فضول أعرف إيه اللي حصل، عشان كِدَه سألته:
-جريمة القتل دي حصلت فين بالظبط؟
-النَّاس بتتكلّم عن الجريمة من ساعة تقريبًا، وبيقولوا إنها حصلت في مصحَّة مهجورة عندكم، وبيتكلّموا عن سكّينة غريبة موجودة جنب الجثة، وتفاصيل كتير مش مربوطة ببعضها، ما أنت عارف إن كل جريمة في بدايتها الكلام فيها بيكون كتير وكل واحد بكلمة، عشان كِدَه عاوزك تروح البلد حالًا وتبدأ في أسرع وقت.
خرجت من عنده ودماغي بتودِّي وتجيب، ماكنتش متوقع إن اليوم الوحيد اللي صحيت فيه ومدخلتش سوشيال ميديا يفوتني خبر جريمة حصلت؛ لأ وفي بلدنا كمان، فرجعت على مكتبي، وبمجرَّد ما قعدت حسام قال لي:
-أخبار المكافأة إيه؟
-أنت مش نَبَرت فيها، مافيش مكافأة ولا يحزنون، طلب منّي أوزَّع الشغل اللي معايا عليك وعلى كام واحد من زمايلنا، وكلِّفني بشغل تاني.
بمجرَّد ما قلت له كده قال لي:
-يعني أنا كنت ناقص شغل يا عم مازن؟ ما أنا مفحوت في الشغل اللي معايا، وبعدين تلاقيه طلب منَّك تعمل حوار مع حد من الفنَّانات، ماهو لمَّا بيحب يشهيص حد يطلب منه كده، يعني إحنا ناخد الأخبار اللي تجيب اكتئاب، وأنت تروح تعمل لقاء مع مُزَّة، والقعدة معاها تبقى أطرى من طراطير التراوة.
ماكنتش في مود يسمح إني أندمج معاه، لكن علَّقت على كلامه وقلت له:
-ما تبلع ريقك وخُد نَفَسَك يا بني آدم، أنت ليه محسِّسني إني بتكلم مع عجلاتي، في برضه صحفي يقول: أطرى من طراطير التراوة!
-أومّال يعني هتوزع الشغل اللي معاك ليه؟
-عشان في جريمة قتل حصلت في البلد عندنا وطلب منّي أغطّيها، وبعدين يلا تعالى استلم الشغل عشان يادوب أوزَّع باقي اللي معايا على زمايلي، وألحق أوصل وأشوف الحكاية.
سلِّمته الشغل وخرجت من الجريدة بدون ما أرغي معاه كتير، ركبت عربيتي وطلعت على بلدنا، في العادي الطريق كان بياخد منّي أقل من ساعتين، لكن المرَّة دي مشيته في وقت أقل، لأني كنت دايس بنزين على قد ما أقدر عشان أوصل في أسرع وقت..
لمَّا وصلت البلد؛ أخدت بعضي ورُحت على المصحة المهجورة، وهناك لقيت لمَّة كبيرة والدنيا واقفة على رِجل، وفي وسط الزحمة سمعت صوت بيقول لي:
-يا أستاذ مازن، البِت صفيَّة لقوها مدبوحة جوَّه المصحَّة.
كان عم العطَّافي بتاع الفول والطعمية اللي في البلد عندنا، واللي اتفاجئت إنه واقف جنبي، ولمَّا خلَّص كلامه ردّيت عليه وقلت له:
-يعني إيه الناس لقوها مدبوحة؟
-دَه اللي حصل، النهاردة بعد الفَجر وأنا بفتح المحل؛ لقيت جدَّها ماشي في الشارع وساند على العصاية بتاعته وبينادي عليها، ولمَّا اتكلِّمت معاه عرفت منُّه إنها مرجعتش البيت ليلة امبارح، ما أنت عارف إن أبوها وأمها ماتوا وعايشة مع جدّها الكفيف، وبتقلِّب رزقها من بيع المناديل وتنضيف البيوت وطلبات الناس برغم إنها لسَّه طفلة.
-كل ده أنا عارفه، بَس مين ده اللي يستدرج طفلة في مكان مهجور زي المصحَّة ويدبحها؟ وعشان إيه؟
-ده اللي حصل؛ ولاد الحرام كتير والليل مالوش أمان.
لمَّا خلَّص كلامه أخدت نَفس عميق عشان أسيطر على أعصابي وبعدها قلت له:
-عرفتوا مين اللي قتلها ولا لسَّه؟
-لسَّه مفيش حد عارف حاجة، ويظهر كِدَه إن الحكاية كبيرة، والشباب في البلد هنا بيقولوا إن ورا الجريمة الدارك ويب ده ولا مش عارف اسمه إيه.
لمَّا سمعت كلمة الدارك ويب، عرفت ليه الأستاذ عدلي لمَّح لي إن الجريمة تفاصيلها غريبة، لكنّي مطوِّلتش مع عم العطافي في الكلام، كمِّلت طريقي من بين الناس لحد ما دخلت ناحية مبنى المصحَّة، ساعتها ظابط من اللي واقفين قال لي:
-رايح فين يا أستاذ؟
قبل ما أجاوب سؤاله حطيت إيدي في جيب قميصي، طلَّعت الكارنيه اللي معايا وقلت له:
-حضرتك أنا صحفي ونازل في تكليف من الجريدة عشان أعمل تغطية عن الجريمة اللي حصلت.
أخد منّي الكارنيه وقرأ اللي فيه، بعدها طلب منّي البطاقة، وده عشان يتأكِّد من هويتي وإن الاسم اللي فيها مُطابق للاسم اللي في الكارنيه، ولمَّا أخد البطاقة وقرأها قال لي:
-دَه أنت من البلد هنا.
-مظبوط يا أفندم، وعشان كِدَه الجريدة اختارتني أغطّي الجريمة بنفسي.
رجَّع لي الكارنيه والبطاقة وبعدها قال لي:
-مَفيش مشكلة، بَس هتنتظر شويَّة لحد ما النيابة تخلَّص معاينة لمسرح الجريمة.
انتظرت زي ما انطلب منّي، وبعد دقايق سمعت سارينة الإسعاف، لمّا وصلت الناس بدأت توسَّع الطريق للمُسعفين اللي فاتوا من وسط الزحمة ودخلوا مبنى المصحَّة، ودقايق كمان وخرجوا بالنقَّالة وعليها جثة صفية وفوقها ملاية بيضا، الدَّم كان مبقَّع فيها، بمجرَّد ما ظهرت الناس بدأت تتشاهد، ومفيش ثواني ولقيت وكيل النيابة خارج من مبنى المصحَّة ومعاه كام واحد من الشرطة، ولمَّا مشيوا بعيد عن المبنى قرَّبت تاني من الظابط وقلت له:
-أقدر أدخل يا أفندم؟
سمح لي بالدخول وشاور للعساكر عشان مفيش حد يمنعني، مشيت بخطوات مهزوزة، ولمَّا دخلت؛ لقيت مسرح الجريمة متحاوط بشريط أصفر، وفي نفس الوقت كان في كام واحد من البحث الجنائي لسَّه شغالين، ساعِتها واحد منهم بَص لي، وقبل ما يتكلم قلت له:
-أنا صحفي وجاي أغطِّي خبر الجريمة.
مَردِّش عليّا ورجع يكمّل شغله، ولأني صحفي وفاهم اللي بيحصل؛ فكنت عارف إن ماينفعش أتجاوز الشريط الأصفر، عشان كِدَه وقفت على مسافة منُّه وبدأت أبُص على الخط الأبيض اللي اترسم بالطباشير، عشان يفضل محدِّد مكان الضحيَّة بعد ما الإسعاف يشيلها، وطبعًا كان في بُقعة دم كبيرة جنب الرسمة، وفي نفس الوقت كان في سكِّينة كبيرة مرميَّة في الأرض وعليها دَم، ماكنتش محتاج أسأل حد عشان يقول لي إن ده سلاح الجريمة، وطالما البحث الجنائي لسَّه شغَّال، يبقى أكيد سايبينها في مكانها لحد الوقت المناسب عشان يتعاملوا معاها، في اللحظة دي طلَّعت تليفوني بدون ما حد ياخد باله وأخدت صورة لمسرح الجريمة، بعدها حطّيت التليفوني في جيبي ولا مين شاف ولا مين دِري.
معرفش ليه عيني سابت كل حاجة وركِّزت مع السكينة، جايز لأني قدرت ألمح كلمات مكتوبة من تحت طبقة الدم اللي عليها، فضلت مبحلق فيها لحد ما بقيت متأكد إن عيني مش مزغللة، وإن في كلمات مكتوبة فعلًا، لكن الكلمات دي عبارة عن إيه؛ ده اللي مقدرتش أعرفه، وده لأنّي مقدرتش أقرأ الكلمات بوضوح بسبب المسافة، فانتظرت لحد ما تيجي فرصة عشان أفتح تليفوني تاني وأرجع للصورة، بعدها أعمل زوم على السكينة، ولمَّا جَت الفرصة وفتحت الصورة لقيتها مهزوزة، وده معناه إن تفاصيل الصورة مش هَتكون واضحة بما يكفي عشان أقرأ الكلام اللي على السكينة لو عملت عليها زوم، ولمَّا حاولت آخد صورة تانية؛ لقيت واحد من رجالة البحث الجنائي بيمنعني، لأن عنده تعليمات من النيابة إن مفيش حد يصوَّر مسرح الجريمة غير المصوِّر الرسمي للبحث الجنائي، فرجعت حطِّيت التليفون في جيبي تاني واكتفيت بدور المتفرِّج، وفي عز ما كنت مركِّز مع السكينة؛ سمعت صوت خطوات حد بيتحرَّك حواليَّا، ولمَّا بصّيت ناحية الصوت عرفت الشخص، عشان كده قلت له:
-إيهاب سمير! دي الدنيا ضيَّقة أوي يا أخي.
بمجرَّد ما شافني نزِّل الكاميرا من قدام وشه وقال لي:
-مازن محمود! عاش من شافك يا عم، إيه اللي جابك هنا؟
-جاي أغطِّي الحادثة، وأنت جاي تغطّي تبع أي جريدة؟ وبعدين إزاي بتصوَّر في حين إنهم منعوني آخد صورة بالتليفون؟
-ما خلاص يا عم ربنا تاب علينا من الجرايد، وفضلة خيرك بقيت مصوِّر جرايم تبع البحث الجنائي.
-قُلت لي بقى، عشان كِدَه بتصوَّر ومفيش حد بيتكلِّم معاك، الله يزيدك يا عم، وبعدين مختفي فين بقالك فترة؟
-مشاغل بقى يا مازن، بس إشمعنى الجريمة دي اللي أنت جاي تغطّيها؟ اللي أعرفه عنك إنك مش بتحب الجرايم أصلًا.
-نصيبي كده، رئيس التحرير بعتني عشان أنا من البلد اللي الجريمة حصلت فيها، ووجهة نظره إن ده هيساعدني أعمل تغطية تفرقع، برغم إني مش هعمل أكتر من اللي أي صحفي غيري ممكن يعمله.
كنت بتكلِّم معاه وعيني على السكينة، ولمّا خلَّصت كلام سألته:
-أنت أخدت صورة لسلاح الجريمة؟
-طبعًا يا مازن، ما أنت عارف إن دي أول حاجة لازم تتعمل.
بصِّيت حوالين منّي عشان أتأكد إن مفيش حد واخد باله منِّنا وبعدين قلت له:
-طيب ممكن أشوف الصورة؟
بمجرَّد ما سمع طلبي وشُّه جاب ألوان وقال لي:
-شكلك عايزنا نبات في العَمبوكة، ما أنت عارف إن ده ممنوع طالما في تعليمات إن مايش صحافة تصوَّر.
غمزته عشان ما يحبِّكهاش زيادة عن اللزوم وقلت له:
-ما تبقاش حنبلي؛ إحنا ولاد مهنة واحدة وزمايل من زمان.
ساعتها بَص حواليه ورجع قال لي:
-مش بتقول إنك من البلد هنا؟
-بالظبط.
-خلاص يا صاحبي، أول ما رجالة البحث الجنائي يخلصوا شغلهم نروح نشرب عندك كوباية شاي، وهناك شوف الصور زي ما أنت عاوز، على الأقل مفيش حد هيكون شايفنا.
وافقته على كلامه عشان ماكونش سبب في أذاه، لكن وإحنا بنتكلّم، قرَّب من السكينة واحد من رجالة البحث الجنائي، كان لابس جوانتيات في إيديه، نزل على الأرض وشالها بحذر وحطها في كيس شفاف وقفله، وبعدها سلِّمها لواحد من اللي بيشتغلوا معاه، وساعتها إيهاب قال لي:
-طالما سلاح الجريمة اتحرَّز يبقى مسرح الجريمة هيتشال، بينا بقى نخلع عشان نشرب كوبايتين شاي، قبل ما أرجع الأدلة الجنائية عشان أسلِّم الصور.
أخدت إيهاب وطلعت على بيتنا، وهناك سلِّمت على أمّي اللي اتفاجئت إني موجود، وبعد ما عرَّفتها إني موجود عشان شُغل؛ دخلت أنا وإيهاب أوضة الضيوف وقعدنا، وساعتها قُلت له:
-تفتكر إيه الدافع ورا جريمة القتل؟
-عاوز رأيي ولا هَتعترض عليه؟
-وليه هعترض على رأيك لو كان منطقي؟
-ما أعتقدش إن جريمة القتل حصلت بدافع السرقة، مُش بعيد يكون حد اعتدى على الطفلة وخاف تتكلِّم وتكشفه قام قتلها.
أخدت كلامه ودوَّرته في دماغي وما اقتنعتش بيه، عشام كِدَه قُلت له:
-أنت عارف إني مُش بغطّي أخبار حوادث كتير، ومش بحب أصلًا أشتغل في الناحية دي، لكن الجريدة كلِّفتني بالحادثة دي بالذات لأنها في منطقتي، وبحكم خبرتي اللي مش عميقة في الحوادث، أقدر أقول لك إن تخمينك مش في محلُّه.
-إيه اللي خلَّاك تقول كِدَه؟
-عشان لو اللي ارتكب الجريمة ارتكبها بدافع إنه يِخفي جريمة اعتداء على طفلة مُش هيسيب سلاح الجريمة جنب الجثة، أكيد هيحاول مايسيبش أي أثر وراه.
-بَس أنا شايف غير كِدَه، طفلة لقوها مدبوحة في مصحَّة مهجورة، اعقلها أنت.
وقفنا كلامنا لمَّا أمي دخلت علينا بالشاي، حطَّت الصينية وفضلت تدعيلنا وتدعي إن الغُمَّة اللي نزلت على البلد تنزاح، وبعدها سابتنا وخرجت، ساعتها رجعت كمِّلت كلامي مع إيهاب وقُلت له:
-الحكاية غير كِدَه خالص، أولًا: كلام أهل البلد بيقول حاجة تانية، ثانيًا: في كلام غريب مكتوب على السكينة اللي البنت اندبحت بيها، بَس بُعد المسافة مع طبقة الدَّم اللي مغطِّية السكينة مَنعوني أقرأ الكلام كويس، ومش هكدب عليك، أنا أخدت صورة لمسرح الجريمة في الدِّس ولمَّا رجعت أتأكِّد من التفاصيل بتاعة السكينة لقيت الصورة مهزوزة، ده طبعًا قبل ما يمنعوني أستخدم التليفون تاني.
بمجرَّد ما خلَّصت كلامي، مِسك الكاميرا اللي كانت جنبه على الكنبة وقال لي:
-أنا عملت زوم على السكينة وأخدت لها كذا صورة من كذا اتجاه.
-من غير ما تقول، أنا عارف إنك عملت ده، عشان كِدَه طلبت منَّك الصورة.
لمَّا خلَّصت كلام، إيهاب عينه راحت على ركن في الأوضة فيه جهاز كمبيوتر مقفول، ساعتها قال لي:
-الكمبيوتر دَه شغّال؟
هزِّيت راسي وقلت له:
-ده الكمبيوتر بتاعي أيام الجامعة، وشغَّال طبعًا، تحب أفتحه؟
-ياريت.
على ما قُمت وفتحت الجهاز، كان إيهاب طلَّع الميموري اللي في الكاميرا، دَه غير إنه طلَّع ريدر من جيب بنطلونه، وساعتها حط الميموري في الريدر وفتحه على جهاز الكمبيوتر.
دخلنا على الصور وبدأنا نقلِّب فيها؛ لحد ما وقفنا عند صورة للسكّينة، في الوقت ده أخدت منُّه الماوس وبدأت أعمل زوم، جوِّدة الصورة كانت عالية، عشان كده الكلام اللي على السكينة كان ظاهر من تَحت طبقة الدَّم، وكان واضح إنه منقوش في معدن السلاح نفسه، وساعتها قرأته بلسان تقيل لأني ماكنتش مستوعب اللي بقرأه: "يا حارس الباب المُظلِم، الموكَّل على الأختام السبعة، افتح الباب المُغلق، الدَّم يُراق؛ فالعهدُ عهدكَ، والذبيحة قربانك".
لمَّا قرأت الكلام دَه بصِّيت ناحية إيهاب، كان مذهول زي حالاتي بالظبط، ساعتها سألته:
-تفسَّر بإيه الكلام اللي مكتوب على السكينة؟
-مفيش عندي تفسير واضح، بَس اللي أعرفه إن القاتل عمومًا إنسان مُريب ومُضطرب، وإلا مُش هايرتكب جريمة بالبشاعة دي، يعني طالما الإنسان قلبه طاوعه يقتل، ما تسألوش بقى عن أي سلوك مُريب تاني، يعني من الآخر؛ ليس بعد الكفر ذنب يا صاحبي.
-السكينة والكلام اللي مكتوب عليها خلُّوني أفكَّر في حاجة مكانتش تخطر على بالي.
ضيَّق عينيه وهوَّ بيبُص لي وسألني:
-حاجة إيه اللي بتتكلم عنها؟
-ما أنا قلت لك من شوية، كلام الناس اللي عم العطَّافي بتاع الفول والطعمية قال لي عليه، الدارك ويب.
الكلمة هزَّت إيهاب لدرجة إنه قال لي:
-أنت كبَّرت الموضوع يا مازن، وبعدين إيه اللي عرَّف بتاع الفول والطعمية بالدارك ويب والكلام الكبير ده؟ أكيد بيردِّد كلام بيسمعه وخلاص وهتطلع أشاعات في الآخر.
-أشاعات بقى ولا حقيقة ده كلام بيتقال وماينفعش أستبعده، ومش هكذب عليك، السكينة والكلام اللي عليها رايح في الناحية دي.
-بيني وبينك، أنا مُش بحب دماغي تروح ناحية الدارك ويب دي خالص، وبعدين لو كلامك مظبوط، إيه علاقتهم أصلًا بطلفة بتبيع مناديل وبتخدم في البيوت؟ لأ يا مازن، أكيد الموضوع غير كده، أنا لسَّه عند رأيي إنها اتقتلت بعد الاعتداء عليها، وبعدين كلها كام ساعة والتقرير الطبي يطلع ونعرف كل حاجة.
خلَّص كلامه وسحب الريدر من جهاز الكمبيوتر وقال لي:
-هطير أنا بقى لأنّي اتأخَّرت ولازم أسلِّم الصور اللي معايا، وبعدين لو كنت غيَّرت رقمك هات رقمك الجديد أسجّله، عشان نبقى نتواصل مع بعض.
أخد الرقم؛ لأني بالفعل كنت غيَّرت رقمي القديم، وبعد ما خرج رجعت قعدت في مكاني تاني، كنت بفكَّر في الكلام المنقوش على السكينة، وليه الجريمة حصلت في مبنى المصحَّة المهجورة بالتحديد، ولقيت نفسي بربط بين كل التفاصيل دي، وبين كلام عم العطَّافي والناس عن الدارك ويب، وفي نفس الوقت مقدرتش أتجاهل الاحتمال التاني اللي سمعته من إيهاب، إن الجريمة جايز تكون بدافع إخفاء اعتداء على الطفلة فعلًا، وإن الصدفة جابت السكينة دي في طريق القاتل مش أكتر، وجايز برضه يكون الكلام اللي عليها حد حفره في السلاح بتاعها من باب التسلية.
الوقت سرقني وأنا مش عارف أوصل لتفسير، قرَّرت أتحرَّك وأخرج للشارع، ولمَّا خرجت؛ أخدت بعضي ومشيت ناحية بيت الطفلة اللي اندبحت، وهناك لقيت أهل الخير في البلد عاملين صوان عزا، وجِد الطفلة كان قاعد مابينطقش من الصدمة، قرَّبت منُّه وأخدت بخاطره وبعدها رجعت وقفت مع الناس، أغلبهم كان مقتنع بالكلام اللي انتشر، أما باقي الناس؛ فكانوا مع الاحتمال اللي سمعته من إيهاب، واحد ابن حرام قابل البنت في وقت متأخَّر وأخدها على المصحة المهجورة وعمل عملته هناك ودبحها.
كُنت بسجِّل كل معلومة بسمعها من الناس، ولحد ما جمعت المعلومات دي، كنت عارف إني لسَّه ما وصلتش للمعلومة اللي عاوز ألاقيها، واللي هيَّ عبارة عن لغز الجريمة..
فتحت تليفوني وبحثت عن رقم إيهاب اللي كنت محتفظ بيه ونقلته على الشريحة الجديدة اللي معايا، رنِّيت عليه، ولما المكالمة فتحت قال لي:
-أيوه يا مازن.
-مفيش عندك أي أخبار جديدة؟
-وأنا بسلِّم الصور سألت إن كان في جديد ولا لأ، بَس مبدئيًا السكينة مفيش عليها بصمات، مفيش أي أثر أصلًا للقاتل في مسرح الجريمة، ده غير إن التقرير الطبي بيثبت إن مفيش اعتداء حصل على البنت.
كلامه خلَّاني أحذف فرضية الاعتداء من تفكيري، وكده مبقاش قدامي غير الفرضيَّة الأولى؛ إن اللي حصل له علاقة بالجرايم اللي بتحصل بسبب الدارك ويب، واللي طبعًا أغلب الناس كانوا مصدَّقينها، وبرغم كِدَه ردّيت عليه وقلت له:
-يعني إيه السكينة مفيش عليها بصمات!
-ما حسِّيتش إني بتكلّم معاه بانفعال غير لمَّا قال لي:
-هدّي نفسك يا مازن، أنت صحفي وعارف إن أي قاتل بيكون واخد حذره كويس، وحكاية البصمات دي مابقتش الفَخ اللي القاتل يقع فيه، أكيد كان في عازل بين إيده وبين جسم السكينة، وبما إن احتمال الاعتداء على البنت مبقاش موجود، ومعادش في غير احتمال واحد وهوَّ الدارك ويب زي ما الناس بتقول؛ فأحب أقول لك إن أكيد اللي عمل كِدَه حد محترف وعارف بيعمل إيه بالظبط، ومش من السَّهل إنه يقع.
اعتذرت عن طريقتي معاه في الكلام، وبعد ما قبل اعتذاري قلت له:
-أنت عارف إن جريمة زي دي هتقلب البلد لو القاتل ما اتعرِفش واتعرِف سبب الجريمة بالظبط.
-كل شيء بأوان يا مازن، وعن نفسي لو عرفت أي حاجة جديدة هكلِّمك.
قفلت معاه ورجعت لصوان العزا، اتفاجئت إن الناس قامت فجأة وعينهم راحت ناحية مدخل الصوان، ساعتها شُفت واحد من أهل البلد اسمه الأستاذ مغازي، دايمًا بيكون واقف مع الناس في مشاكلهم قبل مناسباتهم، ولأنّي عارف الشخص فهمت إنه جاي من المستشفى لأن كان في إيده ورقة، كان واضح من بعيد إنها تصريح دفن، واتأكِّدت من كلامي لمَّا قال إن النيابة صرَّحت بدفن الطفلة، ده غير إنه قال للناس في تعليمات إن الجنازة تطلع من المسجد اللي عند المقابر، وبحكم إني صحفي؛ فكنت عارف إن ده إجراء روتيني، عشان البلد كلها قايمة عل رِجل والناس هتكون كتير في الجنازة والشوارع هَتتزحم.
حضرت الجنازة وصوَّرتها بالكامل، بعدها خرجت من المقابر على مبنى المصحَّة المهجورة، مكانش في حد هناك؛ لأن أغلب أهل البلد كانوا في صوان العزا وحوالين بيت الطفلة، ساعتها دخلت المبنى وأخدت كام صورة للمكان اللي الطفلة اندبحت فيه، وطبعًا ركِّزت على بواقي رسمة الطباشير مكان الجثة، واللي رجالة البحث الجنائي مسحوها قبل ما يمشوا ومسرح الجريمة يتشال، ده غير أثار بقعة الدَّم اللي كان لونها بقى داكِن، ولمَّا خلصت رجعت على البيت، دخلت أوضتي وقعدت قدام الكمبيوتر، بعدها فتحت صفحة "وورد" وبدأ أكتب التقرير بتاعي، تقريبًا ماسيبتش معلومة عرفتها غير وكتبتها، دَه غير إني نزِّلت صور المصحَّة والجنازة على الكمبيوتر، واخترت أفضل صور فيهم عملت لها إرفاق في الملف، بعدها الملف اتبعت بالإيميل على الجريدة، وطبعًا احتفظت بالصورة المهزوزة اللي فيها السكينة ورفضت أنشرها؛ وده عشان مادخلش في سين وجيم طالما عرفت إن في تعليمات بتمنع التصوير أثناء العمل في مسرح الجريمة، وعشان كِدَه اكتفيت بالكلام عن السكينة ووصفها في سياق التقرير، واللي اخترت له عنوان: "دم على سكين بارد"..
انتظرت كام دقيقة ومسكت تليفوني ورنِّيت على حسام؛ زميلي في الجريدة، لأن من ضمن شغله إنه بيستقبل تقارير الحوادث اللي بتتبعت على إيميل الجريدة، وبعدها بيجمعها ويعرضها على الأستاذ عدلي قبل النَّشر، ولمَّا رد عليَّا قلت له:
-في تقرير وصل على الإيميل من دقايق يا حسام، عاوزك تبعته للأستاذ عدلي ضروري، بَس وحياة أبوك؛ بلاش وأنت بتتكلِّم معاه تستخدم القاموس بتاعك، أصل من ساعة ما نبرت فيها وقلت طراطير وطراوة والكلام الغريب بتاعك ده، والمهمة اللي أنا فيها متقندلة على الآخر.
لمَّا خلَّصت كلامي رد عليا وقال لي:
-أنت قدَّها وقدود يا مازن، والمهمة اللي أنت طالع فيها دي أنا واثق إنك هَتجيب سِرها في شوال كمان.
-على أساس يعني إنهم علِّمونا في الكيلة إزاي نجيب أسرار الجرايم في شوال مش في تقارير، عمومًا نقَّطني بِسْكوتك، وبلَّغ الأستاذ عدلي إني قاعد يومين، عشان لمَّا القاتل ينكشف أبقى أغطي التحقيق معاه، بدل ما يبعتني تاني وأفضل رايح جاي على الطريق.
قفلت معاه قبل ما يكتَّر في الكلام، بعدها خرجت من البيت وطلعت ناحية العزا، وهناك لقيت الناس لسَّه قاعدة، عم العطَّافي بتاع الفول والطعمية، والأستاذ مغازي، وناس تانية كتير، دخلت وسطهم وقعدت معاهم، واخترت إن قعدتي تكون جنب الأستاذ مغازي، ساعتها اتكلِّمت معاه وعرَّفته بنفسي؛ لأنه مكانش يعرفني كويّس بحكم إننا متعاملناش مع بعض قبل كده، بعدها قلت له:
-كتر خيرك إنك وقفت في المستشفى عشان تخلَّص تصريح الدفن، الطفلة غلبانة ومالهاش غير جدّها الكفيف، ربنا يتولَّاه من بعدها.
في اللحظة دي رد عليَّا وقال لي:
-كلُّه في الحصالة يا أستاذ مازن، أي عمل خير بيقعد لك في طريقك، المهم ربنا يتقبَّل ويجازي ولاد الحرام.
-وأنت في المستشفى ماعرفتش أي معلومة نوصل عن طريقها للقاتل؟
-للأسف مفيش غير معلومات عادية، من بينها إن الكشف الطبّي أثبت إن مفيش اعتداء حصل على الطفلة.
عند المعلومة دي لقيتني بقول له:
-أنا عرفت المعلومة دي من واحد زميلي بيشتغل مصوِّر في البحث الجنائي، وده بيخلّينا نروح للاحتمال اللي بيقول إن الحكاية وراها حد من الدارك ويب.
بمجرَّد ما قلت كده، عم العطافي اللي كان قاعد قريِّب منّي قال لي:
-ماهو مفيش تفسير تاني يا جماعة، وكل شباب البلد قالوا نفس الكلام.
رجعت أكمِّل كلامي، فقلت للأستاذ مغازي:
-والكلام ده لو طلع مظبوط يبقى إحنا في كارثة فعلًا.
ساعتها الأستاذ مغازي رد عليّا وقال لي:
-أنت صحفي وتقدر تقول لنا ممكن نعمل إيه.
-والله يا أستاذنا أنا صحفي مالوش طول بال على الجرايم، بس متابعة الجريمة دي جاية من رئيس التحرير بالأمر، دَه غير إن الجريمة نفسها حصلت في البلد اللي أنا منها، وطبعًا أمرها يهمّني، وعمومًا إحنا ممكن نختصر دايرة البحث، طالما دارك ويب يبقى إحنا بنتكلّم عن شخص، أو مجموعة أشخاص بالكتير بيدخلوا على النت، وفضولهم خلَّاهم يقدروا يدخلوا على الدارك ويب ويتعاملوا معاه، وأكيد شافوا جرايم أشكال وألوان، وطيش الشباب خلَّاهم يخطَّطوا للجريمة بالشكل ده، يعني استخدموا سكينة عليها كلام غامض، ومش بعيد الكلام نفسه يكونوا واخدينه من الدارك، واختيارهم لمبنى المصحة المهجورة برضه بيأكِّد كلامنا، لأنهم بيعملوا عمايلهم دايمًا في الأماكن المهجورة، ومش بعيد الطفلة تكون اتصوَّرت وهي بتندبح واتعمل لها فيديو هينشروه على مواقع الدارك ويب عشان الناس المرضى اللي بيحبوا يتفرجوا على جرايم القتل يشوفوه.
-الله ينوَّر عليك وعلى حواليك يا أستاذ مازن، كل اللي بتقوله مظبوط.
استغلّيت حوارنا وطلَّعت تليفوني رنّيت على إيهاب، ولمَّا رد عليّا قلت له:
-في جديد يا إيهاب؟
-الكلام كلُّه رايح في الاتجاه التاني اللي الناس بتتكلّم فيه؛ الدارك ويب، خصوصًا بعد ما الناس هنا فحصت سلاح الجريمة وبحثوا عن الكلام المنقوش عليه، ولقوا إن الجملة موجودة على بعض المواقع المحظور التعامل معاها، واللي هيَّ تبع الدارك ويب طبعًا.
قفلت معاه وأكِّدت للناس إن كلامهم مظبوط، والقعدة أخدتنا لحد ما الليل دخل، ساعتها كل واحد رجع على بيته؛ وده طبعًا بعد ما اتفقنا إن كل واحد من ناحيته يفكَّر مين من الشباب اللي في البلد ممكن يعمل عمله زي دي، ده غير إن الشرطة كانت بتعمل تحرّياتها ومش مقصَّرة.
في الليلة دي عيني مشافتش النوم؛ لأن بحكم شغلي كنت عارف قد إيه البلد عندنا بتعيش حكاية خطيرة، أصل لمَّا إيهاب أكِّد لي إن تفسيرنا مظبوط، كنت عارف إنها مش هتكون أوِّل وآخر جريمة تحصل، وإن اللي عمل العملة دي مش هيكتفي بمرَّة ولا مرّتين لأ، دي كل مرَّة هيعمل فيها كِدَه هيبقى عنده رغبة إنه يخطَّط للمرَّة اللي بعدها، وده لأني عارف إن الدارك ويب ده إدمان، واللي بيدخله مش بيعرف يخرج منه؛ لأن غالبًا الخروج بيساوي الموت، ده غير إنه هيكون أدمَن النوعية دي من الإجرام، والإدمان عمومًا مافيش حد بيخلص منُّه بالساهل.
لمَّا النهار شقشق، أخدت بعضي وخرجت، الشوارع كانت ساكتة ومفيش حد رايح جاي، تقريبًا الناس كلّها كانت لسَّه نايمة بسبب وقوفهم في الشارع من بعد ما عرفوا إن صفيَّة اندبحت، وبرغم إني كنت مُرهق؛ لكن الأفكار اللي كانت بتصارع نفسها في راسي خلَّتني ما أعرفش أقعد مكاني، عشان كِدَه قررت أتحرَّك وأحرق وقت لحد ما الناس تقوم من النوم، لكن وأنا ماشي في الشارع؛ شمِّيت ريحة طعميَّة جاية من النَّصبة اللي عم العطافي عاملها قدَّام بيته، أخدت بعضي ومشيت ناحيته، ولمَّا وصلت عنده لقيت تلاتة أو أربعة واقفين قدام النَّصبة مستنّيين الطعمية تطلع من الزيت، ساعتها قلت له:
-صباح الخير يا عم العطافي.
-صباحك فل يا مازن يابني، إيه اللي مصحّيك بدري كده؟
-أنت اللي إيه مصحِّيك بدري؟ دي ريحة الطعمية قالبة الشارع وهيَّ اللي جابتني هنا.
-طيِّب تعالى هنفطر سوا، وبعدين أنا طول عمري بقوم بدري من وقت ما عملت النَّصبة زمان واتعوِّدت على كَدَه.
-ربنا يعطيك الصَّحة ويقوّيك، بَس اعذرني، ماليش نفس للفطار، من ساعة اللي حصل وأنا مُش بفكر في أكل ولا نوم، دماغي مشغولة باللي ارتكب الجريمة.
-تفتكر مش هيمسكوه يعني يا أستاذ مازن؟ أكيد هيقع.
-عن نفسي مش متفائل، أنت ماتعرفش الدارك ويب، أي نعم ما اتعاملتش معاه قبل كده، بس قرأت عنُّه، الناس اللي بتتعامل فيه مشفَّرين كل حاجة عنهم ومحدش بيقدر يعرف هويّتهم بسهولة، يعني لا هيظهروا لك باسمائهم الحقيقية، ولا بصورتهم الحقيقية، ولا حتى حد يعرف عنوانهم لأنهم بيحطوا عناوين وهمية، وبيخططوا لكل حاجة زي ما الكتاب ما بيقول، ودايمًا بيكونوا سابقين تفكير اللي بيدوَّروا عليهم بمليون خطوة، عشان كِدَه مش سهل إنهم يقعوا، ووجود حد منهم في البلد معناه إننا في خطر، عرفت بقى أنا صاحي ليه وماليش نفس أفطر؟
وقفنا كلام وقطعنا النَّفس؛ لأنّنا سمعنا صوت واحد جاي يجري من أوِّل الشارع وبيصرخ، ساعتها الشبابيك والبلكونات اتفتحت، ولمَّا وصل عندنا لقيناه غفير المقابر، وساعتها قال من غير ما ياخد نَفَسَه:
-جريمة قتل في المقابر، وأنا بلِف بعد الفَجر زي كل ليلة عشان أطَّمِّن على المدافن؛ لقيت طفلين مدبوحين، وجنب كل طفل في سكينة عليها دَم وسلاحها محفور فيه كلام.
حسِّيت إن رجليَّا مش شَيلاني، لكني مسكت نفسي، وبرغم إني ماكنتش في احتياج لإني أستفسر عن اللي قاله لكني سألته:
-السكاكين مكتوب عليها إيه؟
-أنا ما بعرفش أقرأ يا أستاذنا، ده أنا يادوب بعرف تصريح الدفن من شكله.
مفيش ثواني والدنيا اتقلبت والناس اتجمَّعت، وساعتها عدد كبير منِّنا راح ورا غفير المقابر عشان نشوف إيه الحكاية، كنت أنا وعم العطَّافي في المقدِّمة، دَه غير الأستاذ مغازي اللي نزل على دوشة الناس، ولمَّا وصلنا المقابر؛ مشينا ورا الغفير لحد المكان اللي شاف فيه الجثتين، وهناك وقفت مصدوم، والصدمة مكانتش ظاهرة على وشِّي أنا وبَس، بالعكس؛ الناس اللي واقفة كانت مصدومة أكتر منّي، جايز لأني توقَّعت إن الجريمة هتتكرَّر طالما وراها الدارك ويب، بَس اللي خالف توقعاتي إنها تحصل بالسرعة دي، وإن يكون بينها وبين الجريمة الأولى يادوب سواد الليل، وكأن الجريمتين حصلوا في ليلة واحدة!
كُنت مبحلق في الجثتين والسكاكين، المرَّة دي كنت شايفهم عن قُرب، وقدرت أقرأ الكلام المنقوش على سلاح كل سكينة: "يا حارس الباب المُظلِم، الموكَّل على الأختام السبعة، افتح الباب المُغلق، الدَّم يُراق؛ فالعهدُ عهدكَ، والذبيحة قربانك"، وبمجرَّد ما اتأكِّدت إنه نفس الكلام ومفيش تغيير حصل؛ فتحت تليفوني وأخدت صورة واضحة للسكاكين، وعلى قد ما أقدر حاولت أركّز على الكلام المنقوش على سلاحهم، دَه غير إني صوَّرت الطفلين المدبوحين، ووقت ما كنت بعمل دَه؛ كنت سامع صوت الأستاذ المغازي وهوَّ بيبلَّغ عن الحادثة، وخلال نُص ساعة الشرطة والنيابة كانوا وصلوا والبحث الجنائي، وساعتها مسرح الجريمة اتنصب من تاني؛ لكن المرَّة دي في المقابر وكان فيه جثّتين وجوز سكاكين.
وقفت مع الناس بعيد عن مسرح الجريمة على ما الشرطة والنيابة والبحث الجنائي يخلصوا شغلهم، كل ده وعيني كانت على إيهاب اللي كان موجود معاهم وبيصوَّر، في الوقت ده عرفت من الأستاذ مغازي إن الجثتين واحدة منهم لطفل اسمه علي، وده أهل البلد بيعتبروه طفل شوارع، لأنه دخل البلد لوحده ومفيش حد يعرف عنُّه حاجة وعايش على عطف الناس، أما الطفل التاني؛ فكان اسمه مهران، وده بقى طفل مضطرب نفسيًّا وبيمشي طول النهار والليل في الشوارع، وأهله كل شوية يلاقوه في مكان شكل، وطبعًا أهله لمَّا عرفوا باللي حصل كانوا عاملين مناحة في المقابر.
لمَّا الجثث اتشالت والأدلة الجنائية خلَّصت شغلها، رجعت على البيت وإيهاب معايا، قعدنا من تاني في أوضة الضيوف، وساعتها قال لي:
-واضح إن اللي بيحصل جرائم طقسيَّة، وإن اللي بيقتل بيعمل طقوس لسبب محدش يعرفه.
ردّيت عليه وأنا متخيّل منظر السكّنتين وقلت له:
-اللي عاوز أفهمه ليه القاتل استخدم جوز سكاكين؛ ليه مش سكّينة واحدة يرتكب بيها جريمته، وليه أصلًا بيتعمَّد إنه يسيبها في مكان ارتكاب الجريمة؟!
-ما هو عشان كِدَه بقول لك جرائم طقسيَّة، وبيسيب السكاكين جنب الجثث لأنه واثق إنه مالوش بصمات عليها أولًا، وثانيًا جايز وجود الكلام الغريب اللي على السكينة جنب الجثة له سبب مفيش حد فينا يعرفه، وبعدين طالما الشك رايح ناحية الدارك ويب يبقى توقَّع كل حاجة غريبة، لأن مفيش حد يقدر يتوقَّع الجماعة دول بيفكَّروا في إيه؟
-طيِّب والحل؟ هنفضل في الموَّال ده كتير؟
-بحسب الخبرة اللي أخدتها من شغلي كمصوِّر في البحث الجنائي، أقدر أقول إن القاتل استخدم طريقة: بُص العصفورة. يعني خلَّى أهل البلد مشغولين في الجريمة اللي حصلت في المصحَّة المهجورة، وراح من الناحية التانية عمل عملته، وموضوع الجثتين ده بيرجَّح فكرة الجريمة الطقسيَّة؛ لأنه كِدَه هدفه يقتل عدد معيَّن من الأطفال، عشان إيه بقى؟ الله أعلم.
-أنت تقصد إنه مركِّز مع الأطفال بس؟
-ومش أي أطفال، ده اختار طفلة يتيمة، واللي مالهاش غير جِد واحد كفيف وكبير في السن، وطفل تاني مالوش أهل، وطفل تالت له ظروف صحيَّة وبيلِف طول النهار والليل في الشوارع، يعني تقدر تقول إنه محدِّد الضحايا بتوعه، وعارف هيصطادهم فين وإمتى وإزاي، وأكيد ده مش عشوائي، في حد مخطَّط كل حاجة وعارف بيعمل إيه.
حسيت بكهربا زيادة في مخّي من كُتر التفكير، عشان كِدَه ردِّيت عليه وقلت له:
-أنا مش عاوز أكتب كل التحليل ده بدون إثبات، وفي نفس الوقت مش قادر أسكت.
رد عليَّا وهوَّ بيقوم من مكانه وبيقول لي:
-اكتب وعيش يا مازن، اللي بيحصل بقى قضيِّة رأي عام، الناس بتتكلّم ولسَّه هتتكلّم، وبالمناسبة، مكانش في تعليمات النهاردة إن التصوير ممنوع، يعني لو عاوز صور تنشرها مع اللي هتكتبه مفيش مشكلة، خد صورة ولا اتنين وأنا هحذفهم من عندي، وكأن أنت اللي صوَّرتهم.
-شكرًا يا إيهاب، أنا عملت حسابي وأخدت كام صورة حلوين قبل ما الشرطة والنيابة والبحث الجنائي يوصلوا، وأكيد لمَّا نعرف إيه اللي بيحصل بالظبط هنشرهم مع التقرير النهائي.
لمَّا إيهاب خرج من عندي، أخدت بعضي وطلعت عشان أشوف إيه اللي بيحصل في الشارع، لكن الناس كان حالهم من حالي، مفيش حد فيهم كان فاهم اللي بيحصل، وبعد كام ساعة؛ لقيت إيهاب بيتصل بيّا، وبرضه بلَّغني إن البحث الجنائي مالقاش بصمات على السكاكين، وإن في تأكيد من عندهم إن الجرايم ليها علاقة بالدارك ويب، عشان كِدَه النيابة صرَّحت بدفن الجثتين واستكمال التحقيق.
نفس اللي حصل في الجنازة الأولى اتكرَّر، اللي اتغيَّر إن الجثتين اندفنوا في جنازة واحدة، وبرضه خرجوا من المستشفى على المسجد اللي عند المقابر، المشهد كان مهيب، وفي نفس الوقت كنت بشوف شغلي وبصوَّر كل حاجة برغم الخوف والرهبة اللي جوَّايا.
بعد الجنازة رجعت على صوان العزا اللي اتعمل للطفلين، كنت متعمِّد أقعد جنب الأستاذ مغازي وعم العطافي، وساعتها الأستاذ مغازي قال لي:
-الموضوع مبقاش يتسكت عليه.
ردّيت وأنا بهز راسي وموافقه في الكلام:
-عندك حق، إحنا لحد دلوقت مش قادرين نوصل للي بيعمل كل ده، ولا حتى عارفين بيعمله إزاي، ولا إيه الخطوة الجاية عنده إيه؟
ساعتها عم العطّافي طبطب على كتفي وقال لي:
-ربَّك هيجازي ولاد الحرام.
لليوم التاني عيني ماغمَّضتش، وزي المرَّة اللي فاتت، قبل ما النهار يشقشق خرجت من البيت، رجلي أخدتني لحد النصبة بتاعة عم العطافي، بَس المرَّة دي كنت حاسس بجوع رهيب، عشان كِدَه قرَّرت أشتري منه وأفطر، بَس لمَّا وقفت قدام النصبة لقيته مهدّي النار على الزيت ومش موجود، قرَّرت أروح عند بوابة البيت وأنده عليه، لكن بمجرَّد ما وقفت قدَّام البوابة ولسَّه هنادي؛ لقيت البوابة بتتفتح وهوَّ طالع في وشّي، لكن لفت انتباهي إنه أوِّل ما شافني قدامه ارتبك، ساعتها خرج وقفل البوابة وراه بسرعة وقال لي:
-صباح الخير يا مازن، كنت عاوزني ولا إيه؟
-صباح النور يا عم العطّافي، دَه أنا قلت أفطر من عندك، بس لمَّا لقيت النَّصبة فاضية قلت أنده عليك.
-طيِّب يا سيدي فطارك عندي، هعمل لك سندوتشات على كيفك.
كنت بتكلّم معاه وعيني على عقب البوابة من فوق، وده لأني لمحت سلك نِت داخل من حفرة صغيرة جنب العقب، لكنّي مشيت معاه ورجعت عند النصبة، وبعد ما فطرت أخدت بعضي ومشيت؛ بَس مارجعتش على بيتنا، أنا أخدت بعضي ورُحت أخبَّط على الأستاذ مغازي، صحِّيته من النوم ولمَّا نزل قال لي بنبرة كلها قلق:
-خير يا أستاذ مازن، في حاجة تانية حصلت ولا إيه؟
طمِّنته لأني لقيته قلقان وقلت له:
-مفيش جرايم جديدة حصلت، بس حصل معايا حاجة غريبة وكان لازم أقول لك عليها.
لمَّا استفسر عن كلامي قلت له:
-بالصدفة وقفت قدام بوابة عم العطافي، ولمّا فتح فجأة ولقاني واقف ارتبك وخرج بسرعة وقفل البوابة وراه، وإن بعض الظن إثم يعني مش هكدب عليك، حسيت إنه بيقفل البوابة عشان ما ألحقش أبُص جوَّه البيت، وبسبب تصرُّفه لقيت نفسي ببُص ناحية البوابة بتركيز، وساعتها اكتشفت إن داخل عنده سٍلك نِت.
الأستاذ مغازي كان بيسمعني بتركيز، ولمَّا خلَّصت كلام قال لي:
_غريبة! العطافي بيعمِل إيه بوصلة النت؟ ده مفيش عنده عيال، يعني كنا قلنا حد منهم مسافر وبيكلمه نت يتطمن عليه، وحتى مراته تعبانة من زمان وراقدة في السرير، يعني المفروض إن التليفون كفاية عليه.
لمَّا خلَّص كلامه قرر ياخدني ونروح عند بيته، وهناك وقفنا نتكلم مع عم العطافي جنب النصبة، بعدها الأستاذ مغازي فتح موضوع وصلة النت فجأة، وساعتها عم العطافي ارتبك تاني ولسانه تقل في الكلام، عشان كِدَه الأستاذ مغازي قال له:
_خليك دُغري يا عطّافي البلد على كف عفريت، لهجتك والربكة اللي أنت فيها غريبة، إيه حكايتك؟
كان نتيجة كلامنا إن عم العطافي رد علينا بطريقة ناشفة، كلامه كان معناه إنه حر في بيته، ولمّا حصل شد وجذب الناس اتلمّت، ولأن كان جواهم طاقة غضب من اللي بيحصل، قرروا يكسروا البوابة، وساعتها دخلوا واحد ورا التاني جوه البيت وكنت معاهم..
رجلي مكانتش شيلاني من المفاجأة، أصل نفس الكلام اللي مكتوب على السكاكين كان مكتوب على حيطان البيت من جوَّه، ده غير إن كان في إزازة مَيَّه متعلَّقة بحبل في السقف ومدلدلة في نُص الصالة، ساعتها الأستاذ مغازي قال للناس:
_مفيش حد يدخل الأوضة عشان الست التعبانة اللي راقدة جوَّه، وكفاية أوي اللي شايفينه قدامنا.
بعد ما خلَّص كلامه طلب الشرطة وبلغها، ومفيش نُص ساعة والدنيا اتقلبت في البيت؛ شرطة ونيابة وبحث جنائي، ساعتها وقفت أصوَّر كل حاجة قدامي، ده غير إيهاب اللي كان موجود وبيعمل شغله برضه، بعدها الشرطة أخدت عم العطافي، والنيابة أمرت بوجود جوز حرس على البيت وممنوع حد يدخله، ده طبعًا بعد ما طلبوا الإسعاف ينقل مراته المريضة لدار مُسنِّين مؤقتًا لحد ما التحقيق يخلص.
يومها كلِّمت الأستاذ عدلي رئيس التحرير؛ عشان يجيب لي تصريح أحضر التحقيق؛ لأن القضية بقت رأي عام ولازم الناس تعرف الحقيقة عشان غضبهم يهدا..
التصريح وصلني قبل التحقيق بساعة واحدة، وساعتها طلعت على النيابة وحضرت التحقيق اللي كنت بسجِّله على تليفوني، وساعتها وكيل النيابة سأل عم العطافي وقال له:
-لمَّا دخلنا على جهاز الكمبيوتر اللي اتصادر من عندك لقيناك داخل على الدارك ويب، راجل في سنَّك إيه علاقته بحاجة زي دي؟ وليه قتلت الـ ٣ أطفال؟
ساعتها عم العطافي مانطقش، عشان كِدَه وكيل النيابة قال له:
_دي قضيَّة رأي عام، يعني الموضوع مش بسيط خالص، عشان كده أحسن لك تتكلم وتقول لنا حكايتك إيه.
بعد كلام وكيل النيابة نطق وقال:
_من حوالي شهرين شُفت حلم غريب، لقيت نفسي واقف قدام شخص طويل ملامحه مش واضحة، ولمّا حاولت أعرف هوَّ مين لقيته بيشاور ناحية أرضية البيت، ولمَّا صحيت من النوم مفزوع؛ مسكت تليفوني ودوَّرت على تفسير الحلم، كنت فاكر إن التفسير هيكون موت مراتي، بس اتفاجئت إنه التفسير بيتكلّم عن وجود دفينة تحت البيت؛ مقبرة يعني، ساعتها عقلي شَت وماكنتش عارف أعمل إيه، أول حاجة فكرت فيها إني أداري الخبر عشان مفيش حد يحط إيده على المقبرة، وبدأت أدخل على النت أدور على الناس اللي بتتكلم في بيع الأثار، لحد ما اتكلمت مع واحد وقال إنه هيساعدني، وإن عنده اللي يفتح المقبرة ويطلَّع اللي فيها ويصرَّفه كمان، وفوق كل ده قال إنه هايحميني، وساعتها قال إنه هايبعت لي واحد يركب لي جهاز يوصَّل نت وهايعطيني جهاز كمبيوتر أشتغل عليه، بس استغربت لمَّا قال لي إنه هاييجي في وقت متأخر، بس برَّر كلامه بإن لازم كل حاجة تكون في السر، وإن الجهاز ده مفيش حد يقدر يعرف مكانه ويتتبَّعه لو حاول يدوَّر ورانا.
لحد هنا ووقف كلامه، ساعتها وكيل النيابة قال له:
_كمِّل، قول كل اللي عندك.
_بعد ما الكمبيوتر وصل والنت رِكب، كلمته وقلت له إني مافهمش في الكلام ده، بس قال لي إنه هيتكلم معايا فيديو ويشرح لي كل حاجة خطوة خطوة، من وقتها وأنا بنفِّذ كلامه، ولمَّا مشيت وراه ودخلت موقع كله جرايم وحاجات تشيِّب الراس خُفت، ساعتها قال لي إن الدارك ويب كده، وإننا داخلين عشان اللي هيتفحوا المقبرة ويصرَّفوا اللي فيها بيتعاملوا من خلال المواقع دي، بس اتفاجئت إن الموضوع بيكبر، في البداية طلبوا منّي أكتب كلام غريب في ورقة، ولمَّا كتبت طلبوا أعبِّي إزازة مَيَّه وأقرأ عليها الكلام ده، وبعدها أعلَّقها بحبل في السقف، ولمَّا سألتهم عن السبب، قالوا إن الإزازة هتتحرَّك من نفسها، وأكتر مكان الإزازة هتروح ناحيته هيكون المكان اللي المفروض نحفر فيه، وده بعد ما مفعول التعويذة يشتغل لمَّا تتحفر على ٣ سكاكين، وكل سكينة يندبح بيها طفل في مكان مهجور ودمه يفضل على السكينة لحد ما يبرد عليها، وقال إن ده تقديم قرابين عشان الرصد اللي على المقبرة يدلِّنا على مكانها، بس أنا لما لقيت الحكاية فيها قتل قررت أرجع، ساعتها الشخص ده هددني بالموت أنا ومراتي، وقال إن دخول الحمام مش زي خروجه، ساعتها عرفت إني مشيت في طريق مفيش منُّه رجوع.
_عشان كده دبحت ال ٣ أطفال؟
_الفترة اللي فاتت الشخص ده كان بيخطَّط وأنا بنفِّذ، ولمَّا طلب منّي يعرف أطفال البلد وقلت له، اختار ال ٣ أطفال دول؛ ورسم لي خطة الوصول لكل طفل فيهم، ووقت تقديم أول قربان، كنت مرقَّد لصفيَّة في ليلة كنت عارف إنها هترجع فيها متأخر، ساعتها خدَّرتها وأخدتها على المصحَّة المهجورة ودبحتها، وسيبت دمها يبرد على السكينة، ولمَّا الدنيا اتقلبت، الشخص ده طلب منِّي أقدِّم باقي القرابين في نفس الليلة، وإني أستغل انشغال الناس في الحادثة الأولى، وكمان قبل ما الناس تحرَّص على ولادها ومنقدرش نوصل للطفلين الباقيين، ولأن خط سير الأطفال كان مدروس قدرت أصطاد كل واحد في مكان مافيهوش حد، ساعتها خدَّرت علي ونقلته على المقابر، بعدها رجعت واصطدت مهران في مكان لوحده وخدَّرته ونقلته على هناك برضه، وساعتها دبحتهم وسيبت دمهم يبرد على السكاكين زي ما انطلب منّي، بعدها رجعت في نص الليل وقعدت في الصالة أنتظر الإزازة المتعلَّقة تتحرَّك، لكن النهار كان قرَّب يطلع ومفيش حاجة لسَّه حصلت، وكام لازم أشغَّل النصبة في ميعادي عشان محدِّش يشك في حاجة، وساعتها حصل اللي ماكنتش عامل حسابه والحكاية انكشفت، كان كل هدفي أطاوعهم وأفتح المقبرة تحت حمايتهم زي ما وعدني، ساعتها كنت هعالج مراتي والحال هيتغيَّر، وقلت أتحمِّل نار اللي بعمله قصاد إن هتتفتح تحت بيتي خزاين قارون، بس ماكنتش أعرف إن النار هتحرقني قبل ما أوصل لحاجة.
وكيل النيابة بَص له من فوق لتحت وقال له:
- ولمَّا الحكاية كده؛ ليه كنت من بين الناس اللي بتقول إن الجرايم ليها علاقة بالدارك ويب؟ المفروض إنك تحاول تاخد الكلام في ناحية بعيد عن الحقيقة عشان تبعد الشبهات عن نفسك.
-يا سعادة البيه أنا لمَّا لقيت الناس بتقول كده مشيت معاهم، أصل مين هيشك إن بتاع فول وطعمية يكون بيدخل على الدارك ويب، ده غير إني اعتمدت إن مفيش حد بيقدر يعرف الناس اللي بتدخل عليه زي ما الشخص ده قال لي، ماكنتش أعرف إن أخرتها هكون واقف قدام سعادتك.
-للأسف أنت حسبتها غلط، مشيت ورا طمعك ووقعت في المتاهة اللي مفيش خروج منها، وكل واحد عمل نفس عملتك كان آخره إنه يقف الوقفة دي.
وكيل النيابة قرر يحبس عم العطافي على ذمة التحقيق، بعدها أمر بتحريز الجهاز اللي عم العطافي كان موصَّل نت منُّه، واللي كان راكب على البيت من برَّه ومتداري في النَّصبة عشان يلقط شبكة..
الاعترافات دي كنت قاعد في مكتبي بفرَّغها في تقرير عشان أنشره في أسرع وقت لمَّا رجعت الجريدة، ده غير التغطية اللي عملتها لتمثيل الجرايم وعم العطافي كان بيشرح كل حاجة قام بيها، وده لأني كنت حريص إني أحضرها قبل ما أرجع، ساعتها لقيت حسام بيقول لي:
_مش قلت لك بعد ما الأستاذ عدلي طلبك والدنيا معاك هتبقى أطرى من طراطير التراوة.
حاولت أكون هادي في ردِّي وقلت له:
_عندك حق، بس الطراطير بتاعتك جت بنتيجة عكسية، وبقت جريمة أطرى من طراطير التراوة، ودارك ويب وبلاوي زرقة على دماغك وعُمر بلدنا ما كانت تعرف الكلام ده.
_وأنت زعلان ليه يعني؟ على الأقل اسمك هينزل على تقرير قضية الناس كلها بتتكلّم عنُّها، مش بعيد بعدها تمسك رئاسة التحرير مكان أستاذ عدلي.
_طيِّب وطّي صوتك عشان ما نترفدش، وابلع ريقك بقى يا حسام؛ خلِّي المركب ماشية، عشان إحنا داخلين على زمن ما يعلم بيه إلا ربنا.
نشرت التقرير لمَّا خلَّصته، بس بعد ما كتبت فيه تفاصيل تانية حصلت بعد التحقيق، لأني قلت كام معلومة عرفتها من إيهاب المصوِّر اللي في البحث الجنائي، لأن بحكم شغله عرفت منه إنهم قدروا يحددوا هوية الشخص اللي عم العطافي كان بيتعامل معاه وتم ضبطه، ووقوعه جاب رجل الناس اللي وراه، ده غير معلومات تانية عرفتها من الأستاذ مغازي لأني أخدت رقمه وبدأت أتواصل معاه، وهو إن بيت عم العطافي نفسه اتعمل حوالين منه كردون أمني، وطبعًا ده بعد ما زارته لجنة من وزارة الآثار وأكدوا إن تحته مقبرة طبعًا، ولحد ما المقبرة تتفتح واللي فيها يخرج ويدخل مخازن وزارة الأثار، وساعتها مرات عم العطافي يا إما ترجع فيه، يا إما تفضل في دار المُسنّين حسب اختيارها.
زي ما كتبت التقرير اللي شرحت فيه تفاصيل الجريمة، كتبت برضه تقرير عن جلسة المحاكمة النهائية، واللي اتحكم فيها بالإعدام على عم العطافي، وبالمؤبد على باقي الأشخاص اللي تعاونوا معاه ووقعوا، وعن نفسي وبما إني صحفي مش هاوي يكتب أخبار الجرايم، اتفاجئت إني اتكلِّفت بقضية من العيار التقيل، دارك ويب ودبح بسكاكين باردة وقرابين وليلة كبيرة، لأ وحصلت في بلدي كمان، عشان كده لما نشرت التقرير النهائي عن الجرايم دي سميته: ليلة السكاكين الباردة، وده بحكم إني اعتبرت الجريمتين حصلوا في ليلة واحدة؛ لأن مفيش بينهم فاصل زمني كبير زي ما قلت لكم قبل كده.
تمت...








































