في طريقه إلى المنزل .. كان عائدا من مقابر أسرته القريبة , و أنامله ممسكة بيد طفلته الصغيرة التي بالكاد تبلغ العامين من عمرها عبر الطريق المعبد بين الأشجار و المروج .. همهمت طفلته و هي تشير بيدها إلى مكان ما على جانب الطريق و تحاول أن تسل الأخرى من بين أنامله فيفلتها .. قبل أن تصيبه الدهشة و هو يراقب صغيرته تقترب من زهور الريحان و هي تصدر أصواتا تعبر عن سعادتها .. فارتسمت على شفتيه ابتسامة مريرة و قد لمعت عيناه بدمع ٍ حبيس .. فقد كانت زوجته تعشق رائحة الريحان و اعتادت على حمل زهوره بين أناملها معظم الوقت حتى أنه كان يشعر بأن زوجته قد نُسجت من البتلات ...
" عندما أستنشق عبيرها أشعر و كأنها تضيء روحي "
هكذا تذكر كلماتها و هو يجثو على ركبتيه بجوار ابنته يتحسس زهور الريحان و قد اجتاح عبيرها رئتيه و تغلغل في روحه حتى أنه أغلق عينيه و قد مرت بكيانه ذكرياته مع زوجته ؛ همساتها , ضحكاتها , لمساتها , و المشاعر الجارفة بينهما ... و كل الأماني السعيدة اللائى أحاطت بهما و هما يترقبان قدوم مولودهما الأول .. طفلتهما الصغيرة .
" سعادتي كلها أُختزلت بكِ .. و بكل ما يأتي عبرك .. ربما تأتي كثير من السعادة عبرك يا ضوء قلبي " كان يقولها لزوجته و هو يتحسس بطنها المنتفخة في سعادة .
لكنّ مصادر السعادة في الحياة كالفراشات .. أعمارها أقصر من أعمار الجراح .. و البهجة تطرق أبواب القلوب كزائرة .. بينما الحزن بداخلها مقيم .. فزوجته الحبيبة قد ضمها القبر قبل أن تتمكن من ضم مولودتها إلى صدرها .. و قد كاد أن يهدمه ذلك تماما لولا هذه الصغيرة التي أسندت جدران قلبه . و على الرغم أن ستائر حياته مع زوجته قد أُسدلت , إلا أن حياته كأب قد بدأت في تعويضه بنوع جديد من الحب .. لم يشعر بفقد حبه لزوجته .. بل يراه في كل شيء حوله .. يراه في عينيّ طفلته .
شعر بملمس زهرة على وجنته ففتح عينيه ليجد طفلته بيدها زهرة ريحان تعبث بها على وجهه .. فتبسم ضاحكا من فعلتها و ضمها إلى صدره برفق و قد انتابته بعض الدهشة فقال و هو يتلفت حوله " أنَّى ليديكِ الصغيرتين القدرة على اقتطاف هذه الزهرة يا صغيرتي ؟! "
فهمهمت الطفلة و هي تضحك و تشير بإحدى يديها إلى اللا شيء قبل أن يشعر بنسمات هواء أسرت بجسده بعض القشعريرة اللطيفة و قد سيطر عليه شعور بروح زوجته ترافقهم .. فتخلل قلبه شعور بالسعادة و الراحة , قبل يقتطف بعض زهور الريحان ثم يحمل طفلته و يقبلها و هو يقول مبتسما " كم يعشقك والدك يا حلوتي !! .. هيا .. لنعد إلى منزلنا , فالطعام الشهي ينتظرنا "
ثم هرول بها ضاحكا لتشاركه الضحك .. و بداخله تتردد ضحكات زوجته و كأنها تلازمهم .. و كأنها لم تفارقهم أبدا .
** تمت **








































