منذ سنوات طويلة، في أيام طفولتي التي كانت تترقب المستقبل البعيد، ذهبت مع السيدة والدتي لزيارة صديقة لها في قرية قريبة من المدينة.
وهناك طلبت مني صديقة والدتي أن أصحب ابنها "رزق" بدرَّاجتي لأمر مهم.
ذهبنا سويا، وهناك في بيت ريفي بعيد في شوارع متهالكة ومطبات لا تنتهي، حصلنا على الشيء المهم.
كان هذا الشيء هو إناء مليء باللبن الدافق حلبته سيدة ريفية قوية البنيان توا وهي تجلس أسفل جاموسة ضخمة لها سيقان كأنها أوتاد مزروعة في جذور الأرض.
في طريق عودتنا أسرعت السير بالدراجة على الطريق الصعب الممتلئ بالمطبات خوفا من كلاب الطريق التي لم تتوقف عن مطاردتنا والنباح، وفي أثناء الطريق لم يتوقف "رزق" عن البكاء، غير أني لم أتوقف وأفهم السبب إلا بعد وصولنا إلى البيت.
انسكب اللبن كله من الإناء بفعل هزهزة الدراجة ووعورة المسير على الطريق الصعب.
سألتُه: هل تبكي يا "رزق" لأن أمك ستبرحك ضربا؟!
أجابني ودموع عينيه تواصل انهمارها على وجنتيه وهو ينظر إلى ساقه اليمنى: بل أبكي لأني تحملت عضة الكلاب كي أنقذ اللبن لأشقائي الصغار؛ لكني فقدت الاثنين معا.. ساقي واللبن.
لاحظت وقتها أن قدرة "رزق" على التحمل، لم تنقذ طعامه من عضات الكلاب.








































