"ركضَتْ خوفًا عليه من الموتِ بأن يُبقيها القدر دونَ عينيه الخضراوين، كانت تحاول البحث عن بعضِ الطعام، لتملأ جوف بطنه الفارغ منذُ أيامًا كثيرة ورُبَّما شهور، لا تعرف كم مضى من الوقتِ بعد وصول طوفان الأقصى نحو مدينتهم، وذهاب زوجها الطبيب إلى واجبه الوطني والإنساني، أما هي فقد اختارت المكوث في منزلها على الذهاب إلى المُخيَّمات الباردة.
هنا حيث يزورُكَ الموت من جميع أرجاء المكان، هنا حيث أصبح النوم بعيد المنال، والطعام والشراب أيضًا.
قال لها ببراءة الطفولة: ماما أنا جائع!!
ردَّت عليه بلهفة الأم الحنون: سأذهب وأجلبُ لكَ الطعام يا نورَ عيوني، لا تفتح الباب لأحد..
أقفلت باب المنزل خوفًا عليه من شرور الأرض، ونسيت بأن الموت لا يَحِدُّ جدران أو يُعيقُهُ قفل باب.
هامَتْ على وجهِها استجابة لطلب طفلها الوحيد -أبو شعر كيرلي- الأشقر الذي أولِعَت عينيها برؤيته، كانت تسأل الناس القليل من الطعام المُفضَّلِ له حينما سمعت دويَّ صاروخ يتبعه انفجار، فقط في تلك اللحظة شعرت بصاعقة أُنزِلَت في قلبها، شَقَّت صدرها وانتزعت روحها حتى كادت أن تختنق وهي واقفة بمكانها.
كانت حواسها واقفة عند تلك النقطة التي غادرت بها المنزل، أما جسدها فكان عائدًا بجنون نحو العمارة التي أصبحَت رمادًا وحجارًا مُتراكمة.
دموع عينيها المُتساقطة كانت تُأنِبُها بأن لو أحضرتِهِ معكِ وأبقيته بجوارك، قلبها يقول وهو يرتجف: خوفي عليه من الموتِ منعني، ونسيتُ بأنَّه لا يخبرُ أحدًا بتوقيت قدومه.
كانت تبحثُ عنه في جمعِ النَّاس وهي تُردِّد: أرأيتُم يوسُفي، شعره أشقر كيرلي، حليوة وعيونه خُضر.
كانت ترى الحياة بعينيه الجميلتين، قلبها كأُم لم يسمَح لها إلا بنعته بأجمل الصفاة، وحينما علمت بمكان وجوده، وجدَتْ زوجها يبكيه بحرقةٍ وألم.
لم تَكُن قادرة على رؤيته، أو لم يسمحوا لها بتغيير جمال روحه وطفولته بعينيها، لكن شعاع طيفه الصغير عانقَ روحها، أخبرها بأنه ذاهب إلى مكانٍ أكثرَ رحبًا، ليبقى بكفالة سيدنا إبراهيم -عليه السلام- وزوجته سارة إلى حين لقائهم الأخير."






































