رسالةٌ بديعةٌ بلغت من الشهرة والانتشار ما لم يُقدَّر لغيرها من الأقدار السعيدة.
كتبها أبو العلاء المعرّي (المتوفّى سنة 449هـ) ردًّا على رسالةٍ أهداها له صديقه عليّ بن منصور الحلبي، الشهير بـ «ابن القارح».
ويبدو أنّ رسالة ابن القارح كانت ساحرةً في اللفظ والمعنى؛ إذ أثارت عقل أبي العلاء، فأفرزت لنا هذا الجمال والإبداع، الذي يَنُـمُّ عن حصيلةٍ قويّة من الألفاظ والمعاني والخيال، سكنت مكنون أبي العلاء.
وكان أبو العلاء عالمًا وفيلسوفًا وشاعرًا من الطراز الرفيع، وله دواوين وكتب مطبوعة تشهد بذلك، حتى بلغ من ثقته بعلمه وموسوعيته أن قال في شعرٍ له:
ما كان في هذه الدنيا بنو زمنٍ
إلا وعندي من أخبارهم طَرَفُ
في «رسالة الغفران» يتخيّل أبو العلاء أنّ صديقه ابن القارح قد انتقل إلى الدار الآخرة، فالتقى بعددٍ من الشعراء والأدباء الأعلام، فحاورهم، وتحدّث إليهم، واستمع لهم، وتفاعل معهم.
وحينئذٍ يتدخّل أبو العلاء بنقد كلّ واحدٍ منهم، مبيّنًا آراءه الأدبية واللغوية في أشعارهم، ومن هنا برزت مكانته العلمية والأدبية واللغوية.
لذلك يقول محقّقو الأدب ونقّاده إن «رسالة الغفران» تُعَدّ من أهم كتب التراث العربي في النقد الأدبي.
كما تخيّل أبو العلاء ابن القارح في وسط الجنّة، يستأنس بموائدها ونعيمها، ويلتقي بمن فيها من الصحابة؛ كعليٍّ، وحمزة، وفاطمة، ويتحدّث إلى رضوان خازن الجنّة، ويَعْبُر الصراط.
وتخيّله كذلك في جنّة العفاريت، يحاور إبليس وزبانية النار، ويسأل عن أشعار الجنّ ولغاتهم.
والجميل أنّ أبا العلاء كان يستشهد بآيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية في معرض حديثه عن نعيم الجنّة وجحيم النار.
وهي رسالةٌ جميلةٌ تناقش من فاز بالمغفرة ومن لم يفز بها في الدار الآخرة.
ويُقال إن دانتي أليغييري، صاحب الملحمة الشعرية «الكوميديا الإلهية»، قد أخذ فكرة تلك الملحمة ومضمونها عن أبي العلاء.
كما أنّ أبا العلاء قد استوحى رسالته — كما يقول الدكتور وسيم السيسي — من محاكمة الروح في مصر القديمة.
ورسالة الغفران، كما قيل، لا تضيفُ إلى معلوماتك بقدر ما تُغيِّر بوصلة تفكيرك ونمط حياتك.
وأخيرًا، أختم بكلمة أستاذنا أ.د. محمد أبو موسى: «أبو العلاء كنزٌ من كنوز المعرفة العليا التي لم يقرأها أحد… وعلمُه وفكرُه وحدهما يُحييان جيلًا».








































