إذا كنتَ مربيًا أو معلمًا أو متحدثًا، فحاول جاهدًا ألّا تستهين بالكلمات التي تقولها، ويا حبذا لو كان يسبق كلَّ كلمةٍ منك تحضيرٌ وإعداد؛ فلربما كلمةٌ واحدةٌ لا تُلقي لها بالًا تكون سببًا في فتح أفقٍ جديدٍ في ذهن طالبٍ أو مستمعٍ، ينفذ من خلاله إلى توليد علمٍ أو بناء فكرة.
ولطالما سمعنا وقرأنا في سير الأعلام الأوائل أنهم انطلقوا في طريق العلم والابتكار والإبداع من كلمةٍ واحدةٍ أو لفظٍ واحدٍ سمعوه من أساتذتهم، ففتح الله لهم بها أبوابَ خيرٍ ما زلنا نقتبس من ضيائها حتى اليوم.
وإليك بعض الأمثلة:
1- نرى أبا الفتح ابن جني – النحوي الكبير – في كتابه «الخصائص» يأخذ الجملة من أبي علي الفارسي أو من سيبويه، ويؤسس عليها بابًا من أبواب العلم.
2- عبد القاهر الجرجاني أخذ من كلام سيبويه قوله: «يقدِّمونه الذي بيانه أهمُّ لهم»، وانطلق منها فاتحًا بابَ التقديم، وكتب أكثر من عشر صفحات بناءً على هذه الكلمة.
3- قصيدة «القوس العذراء» للعلامة محمود شاكر – وهي أكثر من مئتي بيت – استوحاها من عشرين بيتًا فقط للشماخ بن ضرار الغطفاني.
سبحان الله!
عشرون بيتًا فقط فتحت لمحمود شاكر أفقًا عاليًا، وصل فيه إلى مئتي بيت.
4- النحوي الكبير أبو عمر الجرمي استفاد من كتاب سيبويه طريقةَ التفكير وعلومَ العقل التي تساعده على الإفتاء، فكان يقول:
«لقد بقيتُ ثلاثين سنةً أفتي بالفقه من كتاب سيبويه».
فاحتار الناس: كيف يفتي في الفقه من كتابٍ نحوي؟
فذهبوا إلى العلامة النحوي المبرد (ت 286هـ)، وكان فقيهًا عالمًا بالنحو واللغة، فلما سألوه عن قول الجرمي قال:
نعم، سمعته أذناي، إنما أراد أن كتاب سيبويه يُعلِّم العقل، فنقل علمَ العقل من كتاب سيبويه إلى علم الفقه، فأفتى من كتاب سيبويه.
ومعنى ذلك أن الجرمي استخرج من كتاب سيبويه علمًا جديدًا ليس من مادة الكتاب، ولكنه كان مستورًا تحت أحرفه وكلماته، وهو علم التفكير والمنطق الفهمي والاستدلال.
5- وأذكر أنني كتبتُ كتابي «علماء بالوراثة» انطلاقًا من كلمةٍ سمعتها من فضيلة الدكتور علي جمعة في برنامجٍ تلفزيوني «مصر أرض المجددين»، وبخاصة الحلقة المتعلقة بالشيخ مصطفى عبد الرازق.
6- وكم من المقالات كتبتُها ونشرتُها بسبب كلمةٍ كنت أسمعها من الدكتور مصطفى محمود في برنامج «العلم والإيمان»، فكانت تلك الكلمة تفتح لي أفقًا واسعًا وبابًا عظيمًا من التأمل والتفكر والإنتاج.
فلا تستهِن، أيها المربي، وأيها الوالد، وأيها الخطيب، وأيها المتحدث، بالكلمات؛ فالكلمات مستودعٌ من الحروف، أودع الله فيها مضامين الخير والإبداع والانطلاق.








































