"أنا محاط بمجموعة كهنة، يرددون باستمرار أن الدنيا ليست دارهم؛ ومع ذلك يضعون أيديهم على كل شيء يستطيعون الوصول إليه. "
نابليون بونابرت
(فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (سورة الرعد الآية 17 ))
قرآن كريم
تنبيه هام
جميع الأحداث والشخصيات والوقائع والأسماء الواردة بهذه المجموعة القصصية من وحي خيال المؤلف، وأي تشابه بينها وبين الواقع هو من قبيل المصادفة لا أكثر
إهداء
إلى والدي العزيز الأستاذ " فتحي عبد العال" والذي حببني في القراءة والكتابة منذ الصغر وشجعني على ارتياد هذا السبيل وكثيرا ما ناقشني في مؤلفاتي فأثنى على بعضها وأعرض عن البعض الآخر مانحا إياي ملاحظات ودروس قيمة لازلت أقتفي أثرها ..
فله مني كل الشكر والتقدير
د.محمد فتحي عبد العال
تقديم
حينما تتكرر القصص ولا نعي الدروس
حينما تتبدل الخطوب ولا تعلو القيم
حينما تقسو النفوس ولا تسود إلا الأنا
حينما تتغير المعاني وتتعالى المحن
للمال والشهوات تجر الرحال
والعقل يركن للخمول والدعة
والأخلاق والمثل ترقد في رقاع بالية
والناس في مذاهبهم سكارى وماهم بسكارى..
هنا وهنا فقط تتحول حياتنا إلى استروبيا مستمرة ..فرص مهدرة وحيوات ضائعة ونجاحات في غير دروبها وآمال لاحت في الأفق وظلت معطلة. وعضال أسقام في القلب تربو ولا يرجى برؤها..
محمد فتحي عبد العال
القصة الأولى
بنت ابن بارم ديله
دائما ما تعرف "إحسان هانم" نفسها بالمخرجة الواعدة التي لا يعرف الزمان قدرها مع أنه لم يجود بمثلها ...وعلى الرغم من دراستها للإخراج بمعهد التمثيل بمصر ثم إيطاليا وألمانيا ثم تدربها في ورش عمل لدى مخرجين كبار إلا أنها لم تخرج أي عمل منذ تخرجها قبل عشرين عاما ..وإذا سئلت عن السبب ؟!...أجابت في استعلاء : أنا لا أقدم تنازلات مثل غيري..وأنت تراني رائعة الجمال ..أنا "هانم بنت بيه "..أنا بنت "ابن بارم ديله" شخصيا يا أخينا ..
وهي ثرثارة من الدرجة الأولى فأما وقد تطرقت لسيرة جدها البيه فاستعد لتسمع القصة كاملة كما ذكرت في تاريخ الجبرتي مع بعض البهارات التي تضيفها إحسان لتعلو بجدها لعنان السماء فهو "سليمان بك الأرمني" من المماليك الفقارية ( بيرقهم أي علمهم أبيض ومزاريقهم أي رماحهم برمانة) وقد تولى كشوفيات المنوفية والغربية وقد غلب عليه لقب "بارم ديله ( ذيله)" وإذا داعبها أحد مشككا في نسبها بالقول : هذا "بارم ديله" فأين ابنه ..وكأنها كانت جاهزة لمثل هذه الأسئلة فراحت تدعي أنها تنتسب تحديدا إلى ابنه الشهيد بالطاعون "عثمان جلبي" الذي خلف أبيه .. أي إلى "ابن بارم ديله"...ومن الجد وابنه القديمين تمضي إلى التغني بمآثر والدها العصامي الذي عمل موظفا بمصلحة الضرائب وظل يداوم منذ التاسعة صباحا حتى الثالثة عصرا وفقط ..كان والدها "عبد السميع" مخلصا لعمله يرفعه لدرجة القداسة فلم يحدث في تاريخه المهني أن غاب قط أو أخذ إذنا إلا لضرورة ملحة .. لا يمارس أي عمل خارجي إضافي فهو يرى في ذلك خيانة لقسمه أمام وظيفته في أن تكون شغله الشاغل ..حدث ذات مرة أن مدت خدمة التليفون الأرضي للمنازل بمصر وهو التليفون المشهور بقرصه الدائري المرقم ولونه الرصاصي المميز وكان إدخاله بالدور الذي قد يستغرق سنوات فلم يغادر عبد السميع عمله لملء طلب التقديم وترك هذه المهمة لزميل له ليسجل اسمه بدلا عنه فسجل بالخطأ "أبو سريع" بدلا من " عبد السميع" وكان من الصعب تداركها..طبعا "عبد السميع" الموظف المثالي في المصلحة ظل يرتقب إدخال الخدمة مع زملائه الذين تقدموا بالطلبات معه في نفس الفترة فوجدهم جميعا قد شملتهم الخدمة إلا هو وهنا يقرر أن يأخذ إذنا لأول مرة في تاريخه ليستعلم عن السبب ويكتشف أن اسمه بالكشوف قد كتب خطأ وعليه أن يعيد الكرة مرة أخرى وأن يتقدم بطلب جديد ودور جديد يستغرق سنوات جديدة وعبثا حاول إصلاح الاسم المقترن بالدور الحالي وهو الأمر المستحيل وضاعت فرصة التليفون وصارت زوجته أم إحسان تعايره بهذه الحادثة الفريدة ...
دائما ما تشعر "إحسان" بالود والتماس الأعذار كلما طافت بمخيلتها ذكرى أبيها فيما كان يمتقع لونها وتتغير تعبيرات وجهها كلما جاءت ذكرى والدتها فهي لا تتسامح مع موقف والدتها التي اختارت الانفصال عن أبيها مبكرا وتركها منذ نعومة أظافرها لتتزوج برجل آخر وتنجب منه ..
ولأن "إحسان" لديها شعورا متعاظما بعلو الذات وكبر المنزلة وأن التاريخ سيذكرها يوما كواحدة من صناعه ومن علامات الإخراج المسرحي والسينمائي في ذاكرة الفن فإنها دائما ما تتوعد أمها بين ثنايا نفسها بالمحو التام وأوقاتا تعلن عن نيتها هذه صراحة وهي تضحك ضحكة هيسترية بين أصدقائها قائلة : إنني سأحذو حذو "تقي الدين المقريزي" حينما كتب عن أمه "اتصلت بعده ( أي بعد والده) بآخر وولدت منه ابنا ذكرا" ..لن اتحدث عن أمي ولا ابنائها ..لن أمنحهم أبدا فرصة الصعود على أكتافي لمصاف التاريخ ..تاريخي لي وحدي ولمن أراه فقط يستحق أن يصحبني في سفينتي ..
وحدث ذات مرة أن جلست في مقهى الفيشاوي بالحسين وسط جمع من الأدباء وأرادت إحدى صديقاتها أن تجرها للحديث عن والدتها فأتت على ذكر والدة المقريزي فقامت ثائرة المؤرخ "وافي " وكأنها جاءت على ذكرى والدته بما لا يليق فقام كالأسد يزأر قائلا : إنك تغالطين حقائق التاريخ فالمقريزي كان يفخر بأمه وأنه "قل ما كان في عصرها مثلها" و"كانت من أفضل نساء زمانها دينا وعفة وصيانة وعقلا ومعرفة وصبرا وخبرة .أقامت بالحمى إحدى وعشرين سنة وبها ماتت وهي صابرة غير جاذعة ولا متسخطة" ..
هنا احتدت "إحسان" وكانت لا تطيق من يعارضها فقالت : أنا صاحبة هذا التاريخ وأنا من أصنعه وأشكله كيفما اشاء ..ما شأنك أنت هذه حياتي وليست حياتك ..
فرد عليها "وافي" : حياتك لا شأن لي بها بالتأكيد ..لكن حياة والدة "المقريزي" تخصني بحكم كوني مؤرخ وضد تزييف التاريخ ..
قالت "إحسان": أنتم من تزييفون التاريخ حينما تضعوا أنفسكم أوصياء وأولياء عليه وتعارضون الابداع والاستفادة من دروسه وتضيعون ذائقة الناس في القشور دون ارتياد الجوهر ..
حاول بعض الحاضرين إنهاء السجال بين الطرفين بشكل لائق خشية أن ينفلت لما هو أبعد من ذلك فإحسان لا يوثق بردود أفعالها حين الغضب وربما تطور الأمر إلى التعارك والتشابك بالأيدي ..
بالفعل لم تكن "إحسان" بالتي تستسلم أو تعترف بأخطائها وكانت تغير دفة آرائها أسرع مما تبدل سراويلها الداخلية فلما أعياها البحث على "جوجل" في الوصول إلى شىء تجادل به "وافي" ويعيد لها كرامتها المهدرة قررت أن تهاجم "المقريزي" نفسه وتتهمه بأنه من أعداء الوطن وحتى تدعم هذا الادعاء وجدت ضالتها في كتاب " درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة " واقتبست منه هذا النص وأرسلته لوافي على الماسنجر: "وخرج ( يقصد محمد بن عبد الله كاتب الجيش ) فرآني(المقريزي) وولده ناصر الدين ونحن نتذاكر شيئا من الإنكار على أفعال السلطان فقال لنا : البطالون (من لاعمل لهم سوى ترويج الباطل) أعداء الدول " وكتبت معلقة ..هذه حقيقة "المقريزي" ثم صحبت الرسالة ببلوك..لكن كعادتها وبعد أن خالجها الهدوء والسكينة ندمت على فعلتها ورفعت "البلوك" وأعادت إرسال طلب الصداقة له مجددا فقبل ..
معاناة "إحسان" من الفراغ الشديد من قلة العمل بالإخراج دفعها لارتياد "السوشيال ميديا" فصنعت لنفسها صفحة إليكترونية فبدأت تبحث عن فكرة لم يقتنصها البعض لتبدأ مشوارها للتسويق لنفسها وحصد الاعجابات والمشاركات فبدأت بعرض اللوحات الفنية لبعض كبار الرسامين في العالم فاصطدمت بعدم تفاعل زوار الصفحة معها فالقليل من يفهم بالفن ويتذوقه..فبدأت تتجه إلى باعة الكتب والمجلات القديمة والعملات الأثرية لتشتري منهم ما تستطيع وتتقمص هيئة المؤرخة المتعمقة في دهاليز الماضي ..لكنها سرعان ما أدركت أن الفكرة مستهلكة وأن الكثيرون سبقوها لهذا المنحى واحتلوا فيه مكانة بارزة كما أنها ليست بالدراية الكافية عن تاريخ العملات والشخصيات التاريخية ولا يستهويها بذل الجهد في هذا المضمار خاصة أن هدفها من الصفحة سرعة الانتشار وجني ربح مالي سريع منها ..
وبعد جهد جهيد تفتق ذهنها للبحث لدى الباعة عن صور بعض العائلات القديمة المغمور منهم والمشهور وكروت المعايدات والخطابات وراحت تستخدم بعض صور الأعراس في التنمر على أصحابها من حيث قصر القامة وتنوع أشكال الشارب وألوان البشرة والجمع بين الحجاب والميني جيب كما استغلت بعض أسطر الخطابات العائلية التي عثرت عليها في نسج بعض القصص جلها وهمي وقليلها حقيقي عن أصحاب هذه الخطابات وإعادة تصدير بعضهم باعتبارهم صنعوا أحداث مؤثرة تتطلب إعادة كتابة التاريخ المصري مرة أخرى ..
طبعا كانت دائما ما تتأكد من الباعة أن هذه المتعلقات الشخصية لا تتعلق بأشخاص لهم ورثة على قيد الحياة والحقيقة أن هذه المسألة لا تحتاج لسؤال فلو كانت ضمائر أحفادهم على قيد الحياة لما وجدت هذه المتعلقات طريقها للقمامة والباعة الجائلين ...
مع الفكرة الجديدة زادت أعداد المتابعين واكتظت الصفحة بفئات من شرائح عمرية شتى وأصبحت إحسان متحدثة تاريخية في عديد من وسائل الإعلام بل وعرضت بعض المؤسسات تمويل برنامج خاص بها وعمل افلام تسجيلية عن مقتنياتها التاريخية ..
بدأ وافي يرتاب في هذا الظهور المدوي لإحسان فبدأ يقرأ المحتوى التاريخي للمقتنيات التي تعرضها وحدث ذات مرة أن عرضت خطابات من طبيب مصري يدعى "ميرزا فاضل الصمدي" ومن محتوى الخطابات وأغلفتها من الخارج استشفت أنه التحق بجامعة "هارفارد" الأمريكية للحصول على شهادة الطب عام ١٩١٣م وأن والده نوبي وأمه فارسية الأصل ..كما بدأت تستعرض خطابات موقعة منه لأحمد باشا ماهر ومحمود فهمي النقراشي أثناء ثورة ١٩١٩م وبعدها ينسق معهم الجهود في سبيل الدعاية للقضية المصرية في أمريكا وأوروبا ..وراحت من وحي الخطابات التي لديها تتطرق إلى الحياة الشخصية لميرزا وأن خلافا على الميراث قد وقع بينه وبين اشقائه بسبب شرط تضمنته وصية وضعها والده كان من المستحيل تحقيقه وهو البحث عن أصول عائلته في كل ربوع بلاد النوبة القديمة وبعد تحقيق هذا الشرط توزع التركة والميراث...وانقسم الأشقاء حول الشرط ما بين من أراد البر بوصية الأب الراحل وتحقيق أمنيته التي عجز عن تحقيقها في حياته ومنهم من رأى أنها وصية صعبة التحقيق كميرزا ...اضطر "ميرزا" بحسب الخطابات أن يرحل إلى الولايات المتحدة الأمريكية وهناك عمل بالميناء لتدبير مصروفات الدراسة بكلية الطب التي التحق بها وأنه تزوج من أمريكية هناك ثم عاد يطالب أخوته بميراثه لسداد بعض ديونه مع الظروف الاقتصادية التي خلفتها الحرب العظمى في ربوع أوروبا وأمريكا والظاهر أن الأسرة لم تكن وقتها قد حسمت أمرها بشأن الوصية ..ما آثار اندهاش "وافي" حول الخطابات ومضمونها أنها مكتوبة باللغة الإنجليزية في أغلبها والمصريون في هذه الفترة ومنهم النوبيين بطبيعة الحال لا يتعاملون باللغة الإنجليزية في مخاطباتهم العائلية كما أن الورق وإن بدا قديما إلا أن الحبر لازال يحتفظ برونقه ووضوحه الشديد وهي نقطة دعمت شكوكه فبدأ يبحث في خيوط القصة المبعثرة وبدأ يبحث في سجلات جامعة "هارفارد" حتى أواخر العشرينات عن خريج أو حتى طالب يحمل هذا الأسم دون جدوى.. كما راح يفتش في إعلانات أرشيف الصحافة المصرية عن أي خبر بشأن هذا الشخص أو إسهاماته خاصة أن عدد المتعلمين بالخارج في هذا الوقت كانوا قلة فلم يجد شيئا ...
بدأت نفس "وافي" تحادثه بأنه أمام ثلاث خيارات لا رابع لهم إما أننا أمام قصة حقيقية في أصولها وأن "إحسان" أضافت لها بدون حساب كعادتها ما يجعل من القصة مصدر إلهام وتشويق لمتابعيها وغيرت في مسارها كما فعلت مع أم "المقريزي" أو أنها اخترعت القصة بأكملها أو أنها قصة حقيقية لكن الطبيب في خطاباته وأوراقه الشخصية التي ادعت "إحسان" أنها عثرت عليها لم يكن صريحا مع أسرته بشأن وضعه في أمريكا لهدف في نفسه من المحال اليوم معرفته..
أتت "وافي" فكرة لما لا يتصدى لما تروج له إحسان ببديل علمي حصيف؟! ..لاشك أن للمقتنيات الشخصية أهمية وأنها عادة ما يلقي بها الورثة خارج البيت دون فحصها فهم في عجلة من أمرهم لتقسيم ميراث ذويهم وأحيانا يصعب الحكم على هذه المقتنيات تاريخيا وأنها عادة ما توقعه هو شخصيا في حيرة كبيرة تجعله يبحث كثيرا في مئات الكتب وأوراق أرشيف الصحافة وقد يصل لشىء وقد لا يصل ..بدأ وافي يستعد لتجربته مستخدما نفس أدوات "إحسان" فوقع تحت ناظريه كارت مرسل عبر ميناء بورسعيد من "عبد الغفار متولي أسير حرب نمرة ٢٠٥٠ في قشلاق فرداله بمالطة في ٦-١٢-١٩١٦م إلى حضرة الفاضل الاستاذ "عبد المقصود متولى" المحامي ميدان عابدين نمرة ٦" ..فراحت تراوده أسئلة ..ترى ما هي ظروف الأسر؟!.. هل كان "عبد الغفار" من المتطوعين في الجيش العثماني إبان الحرب العالمية الأولى ووقع في الأسر مثلا ؟! وهل "عبد المقصود" شقيقه أم واحد من أقاربه ؟!..كان لابد لوافي من البحث الشديد والذي توصل منه أن "عبد الغفار" هو طبيب بالمنصورة كان من ضمن من اعتقلتهم السلطة العسكرية البريطانية عقب خلع الخديو "عباس حلمي الثاني" وفرض الحماية البريطانية على مصر وأن له شقيقين آخرين هما الاستاذ عبد المقصود الوارد اسمه بالكارت وقد كان عضوا في اللجنة الإدارية للحزب الوطني ( أسسه مصطفى كامل) وهو الذي تدرب لديه "محمود العيسوي" المحامي الذي أطلق الرصاص في البهو الفرعوني على "أحمد باشا ماهر" رئيس وزراء مصر السابق إثر إعلان الأخير الحرب على دول المحور في الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤٥م أما الشقيق الثاني فهو الدكتور "عبد الحليم" الطبيب بالقاهرة ...الطريف أن الأشقاء الثلاثة جمعهم معتقل "هاكستب" عام ١٩١٥ م مع الكاتب الفلسطيني "محمد علي الطاهر" ( تحدثنا عنه في كتاب تاريخ حائر بين بان وآن) وأشار إليهم في مذكراته (معتقل هاكستب مذكرات ومفكرات ..١٩٥٠م)...إذن هناك الكثير من القصص التي يمكن أن يقدم حوله عدة أفلام وثائقية كلها من كارت واحد لدى باعة الأوراق القديمة ...
حاول "وافي" أن يقدم مادته التاريخية لعدد من القنوات والجميع رفض بحجة عدم وجود عناصر تشويقية كما هو الحال مع ما تقدمه "إحسان" ..
لم تكن "إحسان هانم" بعيدة عما يحدث بل رأت فيه انتصارا غير مباشر على "وافي" الذي جروء أن يناطحها يوما ...
لم يفت ذلك في عضد "وافي" والذي استلهم من الفترة التي حدث فيها إزالة لبعض الجبانات الأثرية لإنشاء بعض الكباري في تسليط الضوء على أهمية هذه الجبانات في إعادة كتابة تاريخ مصر والكشف عن بعض الجوانب الخفية من حياة صناعه فصور فيلما وثائقيا من داخل هذه الجبانات وأنفق على تصويره وإذاعته من جيبه الخاص مفتتحا إياه باقتباس من قرافة الإمام "الشافعي" حمله قبر المرحوم "عبده فوزي" يقول :
"قف واعتبر يا من ترى ... قبري وما بي قد جرى.
بالأمس كنت نظيركم ... واليوم أبراني البرى.
قل ربنا ألطف بنا ... وأرحم عظاماً في الثرى."..
تلاه اقتباسات أخرى جزلة تظهر ما للموت من عبر وعظات ومنها نظم للشاعر العباسي "أبو الحسن علي بن محمد بن فهد التهامي" على أحد الشواهد يقول :
"حُكمُ المَنِيَّةِ في البَرِيَّةِ جاري
ما هَذِهِ الدُنيا بِدار قَرار
بَينا يَرى الإِنسان فيها مُخبِراً
حَتّى يُرى خَبَراً مِنَ الأَخبارِ
فَالعَيشُ نَومٌ وَالمَنِيَّةُ يَقِظَةٌ
وَالمَرءُ بَينَهُما خَيالِ ساري
وَالنَفسُ إِن رَضِيَت بِذَلِكَ أَو أَبَت
مُنقادة بِأَزمَّة الأَقدارِ
فاِقضوا مآرِبكم عُجَالاً إِنَّما
أَعمارُكُم سِفرٌ مِنَ الأَسفارِ"
ثمة اقتباس آخر يظهر ما يعتري المشرف على الموت من أمل بذكرى ودعوة صادقة من محبيه أو من عرفهم يوما وعرفوه وهاهم يمرون به وقد مضى للأبد ..يقول :
"يا زائرا هذا المقام تكرما
جد للفقير بدعوة لك صالحة
وإذا طرقت الباب تطلب ودنا
فلتجعل السبع المثاني الفاتحة"
وطاف في رحلته المثيرة على مقابر آل العظم والربعة الشريفة التي وضعتها "فاطمة هانم" على قبرها وتبدأ بقوله تعالى: ( وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (الأنعام 111)) وفي أعلى صفحاتها كتبت: "أوقفت وحبست وتصدقت لله تعالى الست فاطمة برلنتي هانم ( هي السيدة فاطمة العظم سليلة أسرة العظم العريقة بسوريا والتي انشأت مسجد الشامية عام ١٨٩٨م بشارع الدواوين أمام وزارة الداخلية ) حرم مرحوم شريف باشا الكبير ( محمد شريف باشا كان والي دمشق وساعد إبراهيم باشا في حربه ضد الدروز لأنهم رفضوا التجنيد الإجباري وكان أول مدير للمالية بمصر عام ١٨٤١م في عهد محمد علي باشا الكبير) هذه الربعة الشريفة وقفا صحيحا شرعيا لا تباع ولا ترهن ولا توهب ولا تبدل وجعلت ثواب القراءة ( أو القرآن) فيها على روحها وجعلت مستقرها على مدفنها الكائن بقرافة سيدنا الإمام الشافعي رضي الله عنه فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم ..تحريرا في ٢٠ ربيع الثاني ١٣١٦ بعد الهجرة(تقريبا 7 سبتمبر ١٨٩٨م(" ...
ومنها لقبر "طه باشا لطفي" ياور الخديو "توفيق" والذي أرسله في محاولة يائسة لإقناع "أحمد عرابي" ورفاقه بالعدول عن مظاهرة عابدين الأولى ( انظر تاريخ حائر بين بان وآن) ويحكي حكاية طريفة عن طه باشا من أن الخديوي قد أنعم عليه ب ٣٩٦ فدانا بدكريتو (قرار) عالي وقبل تحرير حجة هذه الأفدنة وقبل أن يضع يده عليها مات وهنا صار خلاف فقهي طريف حول أحقية ورثته وهي أرملته "أراقيش هانم ( قراقيش )" في هذه التركة الكبيرة من الأفدنة والتي لم تدخل في حوزة الفقيد قبل وفاته وحسم الأمر مفتي السادة الحنفية الشيخ "محمد محمد البنا ( والده الشيخ محمد صالح صالح البنا، مفتيا للإسكندرية في عهد الخديو عباس، والخديو سعيد .. تولى الشيخ محمد وظيفة إفتاء الديار المصرية 1880-1887 م عندما عزل الشيخ العباسي المهدي ومع عودة الأخير لمنصبه مرة أخرى في عهد رياض باشا تولى الشيخ محمد منصب إفتاء وزارة الحقانية وكان يجمع بين المنصبين في فترة مرض الشيخ العباسي)" بأن الأرض لا تورث كون الموهوب له الأرض قد مات قبل قبض الأرض الموهوبة .. كما أحيا في فيلم تسجيلي آخر ذكرى إنشاء معهد الموسيقى الشرقي بمصر واستعرض كتيبا نادرا يتضمن كلمة رئيس المعهد وقصيدة "شوقي بك" والمنظومات التي ألقيت في حفلة افتتاح معهد الموسيقى الشرقي بتشريف حضرة جلالة الملك فؤاد يوم الخميس ٢٦ ديسمبر ١٩٢٩م وفي نشيد الترحاب بالملك فؤاد يقول شوقي :
"فؤاد تعطف وزار ..دار الموسيقى ركابه
القانون سلم ..عليك يا حامى القانون
والعود اتكلم ..حيا معز الفنون
والناي اتقدم ..وقال الله يصون
يا مليك الشرق كله ..مين في الملوك له صفاتك
فن الموسيقى محله ..ومعهده من هباتك "
وفي موضع آخر يقول :
"خطت يداك الروضة الغناء ..وفرغت من صرح الفنون بناء
مازلت تذهب في السمو بركته ..حتى جاوز ركنه الجوزاء
دار من الفن الجميل تقسمت..للسامرين رواية ورواء"
كما تأثر "وافي" بإحدى قصائد الكتيب النادر وكانت تحت عنوان "حكاية شاعر" إذ تقول :
"وتحبني وأحبها ..قلبان مسهما الهوى
فتعاشقا عشقا طهو..واثم هاجهما الجوى
سعيا لأن يتألفا..كي ما يصيرا واحدا
وكلاهما رام الوصال..معاتبا ومعاهدا
نظر الرقيب إليهما ..فتجانبا وتنافرا
وتظاهرا بالبغض ..لكن شق أن يتظاهرا
لما تغاضت عنهما ..عين الرقيب تعانقا
وتواعدا لكن ربك شاء أن يتفارقا
هذي حكاية شاعر ..يمسي ويصبح باكيا
فعسى الذي فرق القلبين يجمع ثانيا "
فرتب للقصيدة من فرط تأثره بها من غناها وشدا بها في الفيلم التسجيلي ثم أرسل رابط لها لإحسان هانم !! ..
كما صنع فيلما تسجيليا آخر عن رحلات الحج وأفرد فيه مساحة وافية عن قصة "خير النساء دى ساراواك" أو صاحبة السمو "داييانك مودا دى ساراواك" معتمدا على كتابها "التاريخ من رومة الى مكة" تعريب "رأفت شفيق شنبور طرابلس الشام - مطبعة اللواء ١٩٣٥م" .. وقصتها بحسب فيلم "وافي" أن الأميرة "داييانك مودا أو ايبيانك مودوا أو ديانج مودا دي ساراواك" كانت زوجة ولي عهد الراجا "بروك" حفيد جيمس بروك الإنجليزي والذي حكم "سراواك" عام ١٨٤١م محولا إياها إلى محمية ثم مستعمرة بريطانية حتى استقلت عام ١٩٦٣م وانضمت إلى اتحاد الولايات الماليزية في العام ذاته ..وأن دوافعها حول اعتناق الإسلام جاء جراء انقسام أسرة "ايبيانك" بين كنيستين بروستانتيتين فتحولت إلى المذهب الكاثوليكي بعد ذلك ثم التقت ببابا الفاتيكان في مارس ١٩٢٩م فوجدت في موكبه الملكي وحرسه ومجوهراته وأريكته ما يبتعد تماما عن مفهوم الرهبنة وما يحيط ذلك من زهد وتبتل مفترضين ومع اختلاطها بمسلمي "سراواك" بدأت تتعرف على الإسلام وتعاليمه وتشعر بالراحة والطمأنينة فأشهرت إسلامها داخل طائرة أثناء اجتياز البوغاز الانجليزي في ١٩ فبراير ١٩٣٢م ووجهت رسالة إلى مواطنيها "السراواك" عبر اللاسلكي عن دور الحضارة الإسلامية في تقدم العلوم والفنون والآداب وإخراج أوروبا من ظلماتها في الماضي وكانت الأميرة على قناعة أن الإسلام بحاجة إلى وعي أكبر من علمائه بأهمية نشره والتعريف بتعاليمه في بقاع العالم وأن الغربيين مقصرين أيضا في البحث عن الإسلام ومعرفة حقيقته عن قرب ..
اشتمل فيلم "وافي" على عرض نادر لبعض الأوراق التاريخية على سبيل "الاستئناس ( راجع التعريف في كتابي نزهة الألباء في مطارحات القراء ونوافح الأيك في مساجلات النخب)" التي تخص رحلات الحج والمصريون معروفون بتدينهم الشديد وحرصهم على زيارة المقدسات الدينية فيستعرض مثلا إذن سفر يخص الفلاح "خليل ولد معوض" من قرية "موشا" بأسيوط وبرفقته كريمته "زكية" ووالدته "حنونه بنت بخيت" بالإسكندرية وموافقة بطركخانة الأقباط الأرثوذكس بالإسكندرية مختومة بخاتم القمص " مينا البرموسى " على سفرهم إلى "يافا" ببر الشام في طريقهم للقدس في ٢٧-٢-١٩١٢م ( بوليسي أورنيكك نومرو ١١٧ صور قسيمة عدد نومروسي ١٥٦) ومن الأقباط إلى أشقائهم المسلمين وأذن سفر آخر استعرضه في الفيلم لأحد الحجاج المسلمين للحجاز عام ١٩٠١م ويدعى "الجالي عكاشة ابن علي عكاشة" مولود ومقيم بناحية "حراره" بمركز "إيتاي" وصنعته "فلاح" وبصحبته زوجته "شريفة" وولده العمدة والطريف في هذه الأوراق أنها كانت تتضمن علامات مميزة دالة على أصحابها ففي هذه الورقة كان الشىء المميز "ترس وسلسله على معصم يده اليمنى" ( بوليسي أورنيكك نومرو ١١٧ صور قسيمة عدد نومروسي ٢٠٨) ..
كما تضمن الفيلم رصدا طريفا عبر الأوراق التاريخية لإجراءات الدولة المصرية للتيقن من صحة الجهة والغرض لطالبي أذون السفر واستغلالها في الحج على غير المثبت في الأذن بما يحمل الخزينة المصرية أي أعباء إضافية ومنها على سبيل المثال إذن يخص "عارف أفندي ولد عبد الرحمن أفندي" بالإسكندرية وهو طالب بالزراعة في طريقه لسوريا للمصيف بتاريخ ٢٤-٧-١٩٠٤م ومن علاماته المميزة على "العين اليسرى غشاوة" وقد تضمنت الورقة ضمانة شخصين أحدهما "كامل أفندى حريس" مستخدم بصندوق التوفير والآخر "بدر الدين أفندي الرافعي" من ذوي الأملاك بأن المذكور متوجه لسوريا "للمصيف" فقط لا "للزيارة" وإذا توجه للأقطار الحجازية وكلفت الحكومة المصرية بمصاريف فعليهما الالتزام بها( بوليسي أورنيكك نومرو ١١٧ صور قسيمة عدد نومروسى ٨٧٤)..
مع عرض الأفلام التسجيلية وتهافت القنوات الفضائية على عرضها ..شعرت "إحسان" بالضآلة وأنها مدينة بالشكر لوافي على درسه الغير مباشر لها في أهمية المحتوى المدروس وإن شابته بعد الأخطاء فهو أهون من المحتوى المفبرك الذي تقدمه في كثير من الأحيان ولا شك أيضا أن الفيديو الذي أرسله داعب فؤادها .. فذهبت إليه وصافحته وعرضت عليه أن تشاركه صناعة أفلامه القادمة فقبل على شرط واحد ..
فسألته : ماهو الشرط ؟!
قال باسما : من اليوم تتخلي عن "ابن بارم ديله "
فردت ضاحكة :وهو كذلك.
القصة الثانية
الغاية والوسيلة
البحث عن الثراء .








































