قالت زهرةٌ - نابتةٌ على حافةِ بحيرة - لصديقتها:
- أنا لم تَرُقْ لي حياتنا تلك، أكره الكَرَّة الجبرية التي نسير فيها رغمًا عنا، وقدْ سارَ فيها جَميعُ مَنْ قَبلنا، ولم نملكْ لأنفُسنِا أيّ حقّ، فليس طُموحِي أن أوضع في مزهرية حتى أذبل، أو أتنقَّلَ بين يديْ عاشقيْنِ كَرَسولٍ أبْلَهٍ.
أَرجفتْ تِلكَ الكلمات أوراق قَرينتها، جعلتها تتفتح وتنغلق في اضطرابٍ، وبعدَ تأرجحٍ من نسمة هواء خفيفة هَبَّتْ، وبعد تردُّدٍ، سألَتْ:
- وماذا سنفعل ونحن لا نملك شيئًا؟
- نملك الكثير لكننا تخاذلنا، ماذا عن أشواكِنا التي خُلقنا بها، لِمَ لَمْ نستعملها ضد بني القاطف؟ ضِدَّ كلَّ معتدٍ، فقد خُلقتْ أشواكنا للردْعِ.
- خُلقتْ أشواكنا لردْعِ السُّوءِ، لا لـمُحاربة طبيعتنا.
- آلطبيعة قطفَكِ من بين أيدينا؟ ثم ذبولك وموتكِ وحيدة يا مغبونة!
تخبطتْ داخل نفسها، ارتبكتْ دون إرادتها، لكنها ألجمَت اضطرابها قائلة:
- هكذا عِشنا وهكذا عاش كلَّ جنسنا.
نظرتْ الزهرة المتمردة لتعرُّجِ استقامة عودِها بأسًى جرَّاء كسرٍ فيه، وتذكرت حادثة قطفها التي قد ساعدها القدر على فشلها، والتي قد جعلت في نفسها كرهًا خفيًّا لكل يدٍ قاطفة، ثم أردفتْ بغضبٍ:
- غبيَّة مثلهم، واهنة تعيشين دورَ الضَّحية بكل إذعان.
أفزعت كلماتها ونبرتها الغاضبة رقَّة أوراق الزهرة الأولى، وجعلتها ترتعد مَع الهواءِ رَغمَ أنها كانت تبدو أنها تُراقصهُ بفرحٍ.
سألتْ في نفسها:
- أسيُجْدِي تَمرُّدنا؟
رأت صديقتها المتمردة حيرة السؤال انكماشًا بأوراقها النحيلة على نفسها، سألتها عمَّا بها، فألقت بتردد سؤلها على بساطهما الأخضر بَوحًا، فأجابتها المُتمرِّدَة:
- نعم، بكل تأكيد.
أسكتها تأكيدها ذاك؛ فسألتْ في شبه شرود بعد أن أخذتها نسمة هواء أخرى وأرجحتها يمنة ويسرة، وأبعدتْ بينها وبين صديقتها شيئًا يسيرًا:
- ماذا لو فشلنا؟
- إن كان حَليفنا النجاح فقد غَنِمنَا، وإن كان الفشل فلا بأس، فلن يكون مآل فشلنا أسوأ مما نحن عليه، أو مما سنصيرُ إليه.
بَدَّدَتْ الكلمات حيرتها، فنظرتْ في حالها ونشأتها وسط زهور مثلها، وتخيلَتْ في نفسها حياتها الجديدة، والقوة ستغمرها وتصيرُّها شَجرة عظيمة وارفة تُصافح الشمس وتعتليها البلابل حبًّا.
اتفقتا - بعد ترددٍ من الزهرة الأولى وإصرارٍ من الزهرة الثانية - على أن يقوما بتمرد على كل قَاطفٍ وغير قاطف بأشواكهمَا، ألا ينقادا خلف إرادته، ألا يَصِيرَا إلى ما صار إليه بني جنسهن.
أتى الربيع، وأتت مع طيب نسائمه الحياة، لَاطَفَ الجمال الزهور واندمجَا صارخين بلذَّة القطف، وأينعتْ الزهور ونضرتْ وفاحتْ الرياحين.
لم تسعدْ الأولى كعادتها بعودة الربيع ككل عام، فقد أجلَّتْ سعادتها لحين نيلِ حريَّتها، وسنَّتْ أشواكها خلف تورُّدِ أوراقها، حتى أتى القَاطِفُ.
كانَ التردد في البدءِ يتملكها، والارتباك يتخلل أوراقها، والتشتت والتراجع يُنخران في عزيمتها؛ بدد كل ذلك دنوّ يد القاطف لقطفها، رأته يقتلها، يغتصبها، يستحل دمها بظلمه، فما كان منها إلا أن كشَّرَتْ عن أنيابها بأشواكها، واستقوت بعزمها بتشجيع صديقتها المتمردة وهي تأخذ على يدي إرادتها وتحثها على المضي قُدمًا.
نشبتْ أشواكها في يدي القاطف فتألم منها، وما كان منه إلا أن دهسها برجله من غيظ ألمه بشكل لا إرادي، ثم تركها مرسومة على الأرض بأوراقها المسحولة، وجوارها صديقتها التمردة ترثيها وتبكي!
سألت الزهرة الأولى في نفسها - في لحظتها الأخيرة - بعد أن شهدتْ مآل نفسها وقد تحوَّلتْ لبضع رُفات:
- أنيلُ الحرِّية غالٍ أم أنه تمرُّد سام؟
لم تجد سوى بكاء متمردتها جانبها!
بكت المتمردة، صرخت بكل أوراقها، ورقصت في الهواءِ بألم كأنها تُراقص الربيع. صرخت باكية:
- تالله لأحرمنَّهم من حق قطفي، تالله لأهربن بعيدًا بعيدًا.
أمسكتْ بغضبٍ بنبتة صغيرة بجوارها مُحاولة أن تقتلع جذورها، لكن لا جدوى، حاولت مرارًا وتكرارًا حتى يئست من المحاولة، التقطتْ أنفاسها وجددت نشاطها كي تستعيد الكَرَّة، وصورة صديقتها وهي مدهوسة في خيالها تستصرخ فيها غضبًا وحقدًا.
التقطتْ أنفاسها ثم أمسكت من جديد بالنبتة، وبقوة شَدَّتْ نفسها ومع نسمةِ هواٍء شبه قوية نجحتْ في اقتلاعِ جِذْرها.
فرحت كثيرًا، شعرت بسعادة عارمة، شعرتْ أنها في طريق الأخذ بثأرها ونَيلِ حُرِّيتها.
حملها الهواء إلى كبدِ البحيرة التي كانت على حَافَّتها، ثم أخذها تيار الماء بعيدًا، حتى استقر بها الحالُ على الضفة الأخرَى للبحيرة، تَنفستْ الصعداء بابتسامة كبيرة ورقصة فرحٍ مع نسيم الربيع لنجاتها التي هَدَّأَتْ في نفسها نار ثأر صديقتها، فقد نَجَتْ من يد كل قاطف، وتمردَتْ على جبرية حياتها، فنفضت عنها الماء وتنفست هواء حريتها بفخر، وشعرتْ بالربيع يلبسها تاج الحرية بنسيمه العذب الذي ربما تشعر به لأول مرة.
فجأة شعرتْ بظلام قاتم وآلام في جسدها كله كأنها تُطحن طحنًا، وفي الخارج أرنبٌ صغير يُردد:
الحمدلله، لقد كنتُ جائعًا جدًّا.








































