إن للأمم العظيمة ملاحمَ لا يطويها الزمن، بل يقف أمامها وقفة إجلال واعتبار.
وسلامٌ على الذين استعادوا بدمائهم وأرواحهم كرامة وطن. ومن بينهم الشهيد البطل، قنّاص الدبابات المجند أحمد لطفي.
يروي سيرته زميله الملازم أول أ.ح. نبيل نشأت مرسي، أحد ضباط الكتيبة 269 مشاة ميكانيكا باللواء 25 مدرع، قائلًا:
> "بعد كل تلك السنين ما زلت أشعر بوجوده إلى جواري. كان من رجال الفصيلة الثالثة، مقاتلًا جسورًا يتقن سلاحه: القاذف الصاروخي المضاد للدبابات (RPG-7). ارتقى شهيدًا في 11 أكتوبر 1973 على أرض سيناء، في غارة جوية للعدو، وهو يؤدي واجبه في الهجوم المضاد."
كان أحمد لطفي شابًا ريفيًا بسيطًا، لا يحمل مؤهلًا دراسيًا، لكنه حمل قلبًا لا يعرف الهزيمة. ترك أسرته وهو لم يتجاوز السادسة عشرة، ليلتحق بالجيش ويقضي سنوات في الصحراء؛ يتدرّب، ويصبر، وينتظر يوم الثأر ومحو عار الهزيمة.
ثلاثة جنيهات فقط كان راتبه الشهري، ومع ذلك كان يسعى لإعالة أهله. في معسكر مدينة نصر، كان يبيع لزملائه سرًا بعض الحاجيات: سجائر، شاي، سكر، ومعلبات. كنّا نتغاضى عن ذلك، لأنه كان يقدم خدمة لإخوانه قبل أن يكون لنفسه.
وفي السادس من أكتوبر، وقبيل العبور، جاءني وهو يحمل خرطوشة سجائر "كليوباترا سوبر"، وقال بابتسامة واثقة:
> "إحنا رايحين نموت... خليها معاك يمكن تحتاجها. ولو رجعنا... إديني ثمنها."
لم تكن مجرد سجائر، بل كانت رمزًا للأخوة، ورسالة وداع غير منطوقة.
وفي 11 أكتوبر، خلال معركة من معارك "الوقفة التعبوية"، وبينما كنا نصدّ هجومًا جويًا معاديًا، جاءني خبر إصابته. هرعت إليه، فوجدته ممددًا على الأرض. رفع رأسه حين شعر بي، وحاول أن يمد يده ليمسك بيدي، لكن القدر سبقه، فأسلم الروح قبل أن تلتقي الأيادي.
ومنذ تلك اللحظة، بقي في عنقي دين لا يُختزل في ثمن خرطوشة سجائر، بل هو دين الوفاء لروح بطل ارتقى ولم يُذكر اسمه في صفحات التاريخ كما يستحق. أتصدق عنه وأدعو له بالرحمة، لكن إحساسي بالعجز عن رد هذا الدين لا يفارقني.
رحم الله الشهيد أحمد لطفي، ورحم رفاقه المجهولين الذين عاشوا بسطاء، لكنهم واجهوا الموت بشجاعة، وتمسكوا بالأرض حتى آخر نفس، فكتبوا بدمائهم سطور النصر.





































