بعد أكثر من خمسين عامًا على رحيل أم كلثوم، لا يزال صوتها يُستحضر بوصفه تراثًا شعبيًا لا يُنسى، وفي خضم هذا الشغف الذي يتجدّد كلما بدا أن الفن يفقد بريقه، تظهر مسرحية "دايبين في صوت الست" لمدحت العدل لتثبت أن أم كلثوم ليست مجرد مطربة، بل ذاكرة أمة، وأن صوتها استطاع أن يعبر الزمن ليتآلف مع أكثر من جيل.
المسرحية، التي أخرجها أحمد فؤاد، تذهب إلى ما هو أبعد من السيرة ذاتية تقليدية، فهي لا تسرد حياة فاطمة البلتاجي فقط، بل تُعيد اختبار العلاقة بين الجمهور وذاكرته، بين الفن بوصفه طقسًا جماعيًا، وبين زمنٍ مفرط في الرقمنة والتشتّت. عنوان العرض "دايبين في صوت الست" يكشف منذ البداية أن الأمر لا يتعلق بقراءة تاريخية بقدر ما هو غوص جماعي في الحنين، أو ربما يحمل إلينا الماضي في صورة حلم يدخل فيه المشاهد منذ اللحظات الأولى للعرض، الذي يبدأ بحفلة حيّة لثومة باستخدام تقنية الهولوجرام.
يعتمد مدحت العدل في نصه على لغة شاعرية جميلة، لكنها محكومة أيضًا بقدر من التجميل قد يخفي ما هو أكثر تعقيدًا في شخصية أم كلثوم. فالنص، رغم محاولته تجنّب المثالية، يرسم شخصية متوازنة تحمل جميع الأبعاد النفسية بين القوة والطموح والتسلّط أحيانًا.
تقنيًا، يعتمد العرض على الهولوجرام كأداة لاستحضار أم كلثوم، وهو اختيار جريء لكنه يحمل مفارقة؛ فبينما يهدف إلى خلق عنصر بصري جذّاب، فإنه يترك سؤالًا في عقول المشاهدين: هل تحتاج أم كلثوم فعلًا إلى تجسيد كي تحضر في أذهاننا، أم أنها محفورة أصلًا في الذاكرة؟!
رؤية الإخراج حاولت تحقيق توازن بين التنوع البصري باستخدام تقنيات حديثة، واستحضار الماضي بالغناء؛ حيث حوّل المخرج بعض الحوارات بين أم كلثوم وبعض الشخصيات إلى حوار غنائي شاعري، واختار الحوارات ذات البعد الرومانسي، كتلك التي بين ثومة ورامي. وقدّم محمود صبري ديكورًا رمزيًا يُبقي مساحات واسعة لخيال المتفرج، بينما صاغت ريم العدل أزياء تنطلق من روح الزمن، ولعبت الأزياء دورًا ملحوظًا في الاستعراضات، إذ وُظِّفت توظيفًا دراميًا كبطل إضافي في العرض.
في الجانب الموسيقي، أعاد خالد الكمار توزيع مجموعة من أغاني أم كلثوم، ليقدّم للعرض ثيمة تمزج بين الكلاسيكية والحداثة.
أداء الممثلين كان متميزا برغم كونهم وجوة جديدة أغلبهم يقف للمرة الاولي علي خشبة المسرح إلا أنهم استطاعوا أن يخلقوا جوًا من التعايش الكامل مع الشخصيات، حتى إنك قد تجد نفسك واقعًا في غرام بعض الشخصيات دون أن تشعر. فقد قدمت ليديا لوتشيانو في دور منيرة المهدية قراءة نفسية عميقة واستطاعت أن تظهر مأساة سقوطها في حوار غنائي مبتكر بينها وبين أم كلثوم . وأعطى يوسف سلامة في دور القصبجي الشخصية عمقًا إنسانيًا كشف مأساة فنان ضاع بين عبقرية العطاء ومرارة التجاهل. أما أحمد رامي كما أدّاه سعيد سالمان فجاء أقرب إلى ظل شاعر عاش حبه في منطقة رمادية بين البوح والصمت، وبين الهجر والغفران.
وفي دور الشيخ أبو العلا محمد، جاء عماد إسماعيل بدور المرشد والمعلم الأول، بينما قدّم أحمد علي الحجار قراءة ذكية لشخصية محمد عبد الوهاب، رغم مبالغته قليلًا في تقليد الصوت. أما أسماء الجمل فكانت محرك العرض ببطولة أراها مستحقّة؛ إذ لم تُقلّد أم كلثوم، بل قدّمت "تجسيدًا روحيًا" لها، بإحساس يوازن بين الوقار والسيطرة. كذلك أدّت ملك محمد دور أم كلثوم الصغيرة بحسّ جمع بين البراءة والثقة. وجسّد هاني عبد الناصر رزانة السنباطي وحكمته، فيما أثبت فتحي ناصر في دور بليغ حمدي حضورًا متميزًا رغم قلّة مشاهده. كما استطاعت منار الشاذلي في دور شقيقة أم كلثوم أن تحافظ على تطوّر الشخصية عبر الخط الزمني.
وكما ستظل أم كلثوم، كوكب الشرق، باقية في وجداننا، ليس مجرد صوت، بل تاريخ أمة وبصمة فنية لن تُمحى، سنظل نحن أيضًا، وبلا شك، "دايبين في صوت الست".





































