كانت في ريعان شبابها، امرأة تفيض حضورا ونباهة، تجمع بين جمال يشد العين ورصانة تقنع العقل. خرجت من زواج منهك مع رجل تلاشى في ظلمة الإدمان، ولم تأخذ منه سوى طفل واحد… أمين، بملامح مطبوعة بالبراءة، وأدب يشع من نظراته.
في العمل، كانت تتقن كل شيء رغم بساطة منصبها، حضورها كمن يضع النظام في الهواء. تعرفت إليها في اجتماع باهت، وكان كل تفصيل فيها يسرق الانتباه: طريقة استماعها، ترتيب كلماتها، القوة الهادئة في صوتها. لم يطل الأمر حتى جمعتنا علاقة رسمية، ثم بيت واحد… وثمة طفل لم يكن يوما “ابنها فقط”، بل صار امتدادا لي.
كبر أمين بيننا، يطير فرحا حين أمسك يده في طريقنا إلى الملاعب، ويضحك ضحكته العذبة في المنتزهات، ويستند إلى كتفي كأن العالم كله هناك. لم أشعره لحظة واحدة أنه ليس من دمي؛ الدم شيء… والاحتواء شيء آخر أكثر صدقا.
لكن الهدوء لا يدوم طويلا.
عاد الأب الشرعي فجأة، ليس بدافع الشوق أو الندم، بل بشهية تشبه من يجد فرصة ضائعة ويظنها “مشروعا ربحيا”. جاء يطالب بالحضانة وكأنه يطالب باسترجاع حقيبة ضائعة، ثم بدأ يلوح بشروط ومفاوضات مالية، في مشهد يليق بسمسار أكثر مما يليق بأب.
نصحني المحامي بتسجيل كل زيارة، وكل جفاء، وكل تصرف يظهر هشاشة الدور الذي ادعاه فجأة. لم يكن الأمر صعبا… فهو كان بارعا في إثبات عدم أهليته دون أن يبذل جهدا.
أمين كان ينظر إليه كما ينظر طفل إلى ظل رجل لا يعرف هل يقترب منه أم يبتعد.
وفي يوم المحكمة، تقدمت بالأدلة، بينما كان الأب يقف بثقة مصطنعة، كمن جاء لصفقة ووجدها تتبخر أمامه. استمع القاضي بتمعن، ثم نطق بالحكم:
الحضانة تبقى حيث الطمأنينة… حيث التربية… حيث الأمان الحقيقي.
كانت لحظة تشبه انشراح صدر بعد اختناق طويل.
أمسك أمين بيدي بقوة لم أعهدها، وبكت زوجتي بفرح مكتوم، أما أنا فقد شعرت أن البيت اكتمل… وأن الطفل الذي لم تلده أيامي، ولدته محبتي.








































