اندلعت النيران في المدرسة، ألسنة اللهب تلتهم الجدران والمقاعد، والهواء يختنق بالدخان.
ارتفعت صرخات الأطفال طلبًا للنجدة، وهرع سكان القرية لمحاولات بائسة للإنقاذ؛ كانوا يرمون دلاء الماء الصغيرة على النيران، يكسرون النوافذ بأيديهم الدامية، ويصرخون بأسماء أحبّتهم وسط الدخان الكثيف.
لكن النار كانت أشرس من كل جهد، تلتهم الأرواح واحدًا تلو الآخر.
وسط هذه الفوضى، توقفت ورد تستجدي الرحمة من الله في خشوع، ليظهر أمامها فجأةً ممر من نور يحميها من لهيب اللهب.
وعند باب المدرسة، كان المذنب الأكبر ينتشي برائحة الشواء المنبعثة من الجدران المتفحمة. عيناه تلمعان كجمرٍ قديم، وكأن الشر يسكن دمه منذ الأزل. لم يكن ذنبه وليد الحظة، بل إرثًا ملوثًا في الجينات، دمٌ مسموم توارثه من أسلافه الذين شرّدوا القرى وقتلوا الأبرياء، تاركين وراءهم تاريخًا حافلًا بالمجازر والدموع.
ذاكرته لم تكن بيضاء، بل مضرجة بالمجازر: قرى شُرّد أهلها، بيوت هُدمت على ساكنيها، وأنهار من الدموع سالت خلف خطوات أجداده. كان يرى في صراخ الأطفال نشيدًا معتادًا، وفي دموع الأمهات مشهدًا مكرورًا.
حين لمح الطفلة ورد خارجة من الممر المضيء، حاول دفعها لتعود إلى قلب اللهيب.
لكن النار باغتته فجأة، وفي منظر مهول انبعثت النيران وكأنها يدين عظيمتين من اللهب فشفطت الجبان الذاخل وكأنها تنتقم منه ومن سلسلة أجداده، فابتلعت جسده كما تبتلع الأرض لعناتها القديمة.
خرجت ورد من بين ألسنة النيران وكأنها طيف او ملاك،لم تتأذى منها ولا شعرة،لا غبار على شعرها ولا على ثوبها والطفلة تمشي بين الحريق بلا خوف ولا دموع، مذعورة من هول ما يحدث ومن نجاتها رغم أن المكان كان يعج بالشهداء ،خرجت ورد سليمة دون أدنى خذش وكانت الناجية الوحيدة، فمشت في ضياع وتيه حتى توقفت أمام شجرة زيتون معمّرة قرب السور.
جذعها المتغضّن كان شاهداً على قرون من الغزو والصمود، وغصونها تمتد كأذرع أمّ تحتضن أبناءها.
مدّت ورد يدها الصغيرة لتلمس لحاء الشجرة، فارتجف الجذع كأنما يبادلها النبض.
سمعت في داخلها وشوشة لم تكن صوتًا، بل ذاكرة تنبض بالحقيقة:
"أنا هنا منذ مئات السنين، رأيت الغزاة يأتون ويرحلون، شهدت الدماء تسيل ثم تجف، لكنني لم أنحنِ. جذوري في الأرض، وثمار الزيتون في السماء، وبينهما وصية لا تموت."
انفجرت دموع ورد، لكنها لم تكن دموع انكسار، بل طقسًا مقدسًا يجعلها آخر اسم في سجلّ الحياة، شاهدةً على من رحلوا، ورسولةً لمن سيولدون.
ومن بين الأغصان، انبثق نور رقيق، التف حول جسدها الصغير كوشاح سماوي.
لم يعد تاجها من نار، بل من غصن زيتون أخضر، علامة عهد أبدي: أن تبقى ورد، لا ضحية فقط، بل وصية حيّة، حارسة لذاكرة الشهداء، وملكة على محرقة تحوّلت إلى مملكة الصمود.





































