في حقيبة صغيرة يخفق وطن، وطن لا ينام إلا على نبض الشوق.
بين الريح والعتمة، يتسلل ظل محمّل بالخوف والنور ليرسم أسطورة الفينيق الذي تمرد على الرماد.
ظل يحمل وطنا
لم يبلغ العشرين،
لكن ساحات الوغى كانت تحفظ اسمه.
كان يسير بين العتمة والنور،
يجر حقيبة صغيرة،
تصدر نبضا خافتا مع كل خطوة،
كأنها قلب ثقيل على كتف نحيل،
يضغط على الحنين والخوف في آنٍ معا.
في داخلها يرقد الغول،
نهم لا يشبع، صامت لا يهدأ،
يتقن الانتظار كمن ورث الصبر من صخر،
والحذر من رائحة الليل.
حين يوقظه،
ينهض طيف لا يرى،
يسافر قبل أن ترسم الخرائط،
ويهتدي بالبصيرة لا بالبوصلة.
على بعد ميل ونصف،
قنّاص من عدو بعيد،
يراقب عبر عدسة باردة،
والريح تعصف،
تحرك رذاذ الطريق، وتخدش صمت الصخور.
لم يكن يعلم القناص
أن النسيم يميل مع القلب،
وأن الغيم ينحاز ليد ترتجف شوقا لا خوفا.
ثبت البصر،
وحبس أنفاسه كمن يحتفظ بدعاء في صدره،
ثم ترك الغول يفتح جفنه.
طلقة واحدة،
شقت الهواء كصرخة مبتلة بالليل،
اهتز معها الرمل والعشب،
وتمايلت الأطياف في الحقول كرقصة سرية.
بدا القناص كسراب مبثوث في الهواء،
وانسكب السكون كثوب ثقيل على المكان.
واصل السير،
حقيبة الغول تتأرجح برفق على كتفه،
تدندن صمتا يختلط بالذكريات،
بأسماء لم تنس، وبأحلام ما زالت تحفر في الصخور.
وصل إلى حافة واد مظلم،
حيث تتشابك الأغصان والضباب،
هناك رأى الوطن مترسخا في تفاصيل صغيرة:
ابتسامة طفل، وهمسة امرأة،
صوت طائر يصرخ في الصباح البعيد.
هنا فهم أن النصر لا يقاس بالدماء وحدها،
ولا بالخرائط أو الخطط،
بل بالظل الذي يرفض الاختفاء،
بالغول الذي ينام ويستيقظ معنا،
وبحقيبة صغيرة،
تخفق على إيقاع الشجاعة والحنين معا.
ابتسم،
ليس لأنه تغلب على القناص،
ولا لأنه خرج من العتمة سالما،
بل لأنه أدرك أن الوطن حي،
بين الظلال التي لا تموت،
في قلوب من يحملون ضوءه رغم كل العواصف.
وانسكب السكون كثوب ثقيل على المكان.
أعاد الغول إلى الحقيبة،
وأعاد معه صمت الأرض.
استعاد الوطن سر الألواح،
وحين هتف باسمه في الظلمة،
ارتجف الجو حوله،
كأن السماء تعترف:
أن النصر يسكن حيث يجرؤ الضوء بين الظلال.








































