بعد الليلة التي قضيتها عند شجرة الجوز، لم أستطع نسيان الطفل الصامت وصوته الحزين الذي ما زال يرن في أذني. وعدته أن أعود، ولم يكن ذلك وعدا عابرا، بل عهدا محفورا في أعماق روحي.
في صباح اليوم التالي، عدت إلى المزرعة محملا بأسئلة بلا أجوبة وفضول يتأجج. كانت الشمس تخترق بين أغصان الأشجار الخضراء، لكن الغموض لم يترك ذراعي.
قررت أن أبحث عن أي دليل أو أثر قد يربطني بمصير الطفل وأسراره. فتحت الخزانة القديمة في بيت المزرعة، ووجدت دفترا مغطى بالغبار، مكتوبا بخط رقيق ومتعرج. كان دفتر يوميات جدي، الذي لم يذكره أحد منذ سنوات.
بدأت أقرأ بتأن، وعيناي تترقرقان. كان الجد يروي قصة طفلٍ اسمه صفوان، حفيده الذي اختفى في ظروفٍ غامضة. ذكر الجد أن الطفل كان موهوبا في العزف على الكمان، وكانت موسيقاه تملأ المزرعة بألحان من السماء والأحلام.
لكن فجأة، اختفى صفوان بعد حادثة في الغابة المجاورة، ولم يعرف أحد ماذا حدث له. ذكر الجد أيضًا أن هناك سرًا مظلمًا يكمن في شجرة الجوز، سرا قد يكون سبب اختفائه.
في تلك اللحظة، تسللت نسمة باردة إلى الغرفة، وتحركت صفحات الدفتر من تلقاء نفسها، كأنها تريد أن تكشف لي المزيد. تابعت القراءة حتى وجدت خريطة مرسومة بيد مهترئة تشير إلى مكان بعيد داخل الغابة.
واصلت القراءة بينما تهتز الستائر ببطء تحت أنفاس الريح، وكأن الزمن يعود للوراء. كانت الخريطة قديمة، بخطوط باهتة ورموز لا يمكن أن يفهمها إلا من ينتمي لهذه العائلة. دون تردد، وضعت الدفتر في حقيبتي وانطلقت في طريق محفوف بالأشجار.
كانت الأشجار تهمس للريح بأسرار دفينة. وكل خطوة كنت أخطوها، كانت تقرّبني من المجهول… ومن حقيقة لم أعد أستطيع تجاهلها.
بعد مسير طويل وصامت، وصلت إلى فسحة مخفية بين الأغصان الملتفة. وهناك، وسط الأعشاب البرية، ظهرت بقايا كوخ قديم، كأنه ابتُلع من قِبل الزمن. السقف منهار، والنوافذ المكسورة تسمح للضوء بالتسلل كعيون تراقب في صمت.
دخلت. كل شيء كان مغطى بالغبار، لكن على الطاولة الخشبية وجدت صندوقا صغيرا. كانت يداي ترتجفان وأنا أفتحه. في داخله، كانت هناك رسالة مكتوبة بخط طفل… بخط صفوان.
قال فيها:
"إلى من يجد هذا:
أنا أسير بين العالمين.
هناك من أحبني حقا، وهناك من أراد إسكات الموسيقى التي في قلبي.
إن كشفتم السر، ستعود الأنغام إلى الحياة،
وتتحرر الأرواح من الظلال."
في تلك اللحظة، امتلأ المكان ببرودة غريبة، وبدأت أشعة الشمس تتلاشى شيئا فشيئا، ليحل الظلام العميق.
علمت حينها أن رحلتي لم تبدأ بعد،
وأن ما ينتظرني…
أعمق، وأخطر،
مما تصورت يوما.








































