مع نهاية أسبوع شاق، وجدتني أسابق الزمن استعدادا للرحيل… أجل، الرحيل من زحمة المدينة التي أنهكت كل جوارحي إلى رحابة وسكون المزرعة.
ترعرعت في داخلي فرحة طفولية بأيام العطلة، أيقظت في روحا متلهفة إلى عالمي الجميل… لكن هذه المرة. شيء ما كان يدعوني هناك.
عدت إلى بيت المزرعة قبيل الغروب. فتحته بحذر. صوت الريح بين الخشب العتيق كأنه صفارة إنذار يكسر الهدوء ويعلن بداية المغامرة .
توجهت إلى رفوف الخزانة القديمة ، وجدت بها يوميات الجد. أمسكت بالخريطة التي رسمها بخط مرتجف، واتجهت بخطى ثابتة نحو شجرة الجوز الكبيرة.
كان المكان ساكنا بشكل مريب…
رائحة تراب رطب، وأوراق ناشفة تتكسر تحت قدمي.
الشجرة أمامي. ضخمة. صامتة. في انتظاري..
وضعت يدي على جذعها. باردة كأنها من حجر.
في تلك اللحظة، اهتزت الأرض قليلا، وشعرت بنبض قادم من تحت جلدي.
فجأة، انبعث من الجذع ضوء خافت، وظهر كأنه تشقق صغير، ينفتح.
صوت غير بشري… همس قادم من الأعماق:
"لقد عدت... طال انتظاري."
انفتحت رؤيا أمامي… مشهد شفاف في الهواء، لكنه واضح:
الطفل صفوان، يعزف على كمانه تحت الشجرة، مبتسما.
فجأة، يقترب منه ظل داكن يخرج من داخل الجذع.
يهمس له بشيء… ثم يختفي صفوان، ويترك الكمان خلفه.
ثم، ظهر الجد وتبدو على ملامحه مزيج من الكبرياء والندم ينهار باكيًا تحت الشجرة. يضع على الجذع شيئا كالختم، ويتمتم:
"ليغلق إلى الأبد… فلتدفن الأصوات في الأعماق."
انتهت الرؤيا. وعدت إلى ذاتي.
حاولت أن أفهم أن أستدرج الكلمات لتبوح بالسر . وأخيرا استنتج:
"الجد لم يكن يحمي الشجرة… بل كان يسجن بداخلها كل من أراد أن يغني."
بحدس لا أدري من أين أتى، بحثت في التربة القريبة… فوجدت الكمان.
نظرت إليه… كأنه لم يمس.
عزفت نغمة بسيطة، من تلك التي طالما كنت أسمعها في أحلامي…
وفجأة…
اهتزت أوراق الشجرة من جديد،
انفجر الضوء من الجذع،
وخرج منه وجه صفوان مشعا، مبتسما، ملوحا لي.
"شكرا… لقد أنقذت صوتي.
ثم سرعان مااختفى
الشجرة لم تعد كما كانت. أوراقها أصبحت أفتح، والظل الداكن الذي كان يحيط بها تلاشى.
أما أنا…
فعدت إلى البيت، والكمان في يدي، وداخلي طمأنينة لم أعرفها من قبل.
لكني أعلم…
أن الحكاية لم تنته.
فكل شجرة تخفي ظلا، وربما أسرارا غامضة .








































