لم يكن الليل ليلا حين عادت.
كان شيئا بين الظل
و الذاكرة، بين صمت يسير على مهل، و ريح تنكأ الجرح القديم.
عادت ليلى، لكنها لم تكن كما تركها الجد.
كانت عجوزا تحمل عمرين:
عمرا عاشته، وعمرا خبأته في صمت المزرعة.
ملامحها شاحبة، و يداها ترتعشان، كما لو كانت تحمل سرا أثقل من أن يحمل.
وقفت أمام شجرة الجوز، تلك الشجرة التي التهمت فصولا من الحكاية، و همست بكلمات لم أفهمها أول الأمر.
كانت كلمات مبعثرة بين العربية و لهجة قديمة، وبين أصوات تشبه أنين الريح في مواسم الجفاف.
قالت:
– «لا تصدق ما يخبرونك به… الشجرة لا تحكي الحقيقة كاملة.»
حدقت في عينيها، و رأيت فيهما شيئا لا يوصف…
مزيجا من الخوف، والندم، والرجاء.
ثم مدت يدها المرتعشة إلى جذع الشجرة،
و أزاحت الغصن اليابس الذي لطالما ظنناه ميتا.
هناك… ظهرت حفرة صغيرة، أشبه ببوابة إلى بئر سحيق.
أخرجت منها صندوقا خشبيا قديما، عليه نقوش بالكاد ترى، وعلى غطائه صورة كمان مشطور، و أحرف محفورة تقول:
«للذي لا يخاف… اكشف الحقيقة.»
فتحت ليلى الصندوق ببطء، وكانت المفاجأة…
صورة قديمة لعائلة، يظهر فيها الجد وهو يحمل طفلا صغيرا…
نعم، الطفل ذاته الذي لطالما ظهر لي في أحلامي، في الليالي الباردة، قرب شجرة الجوز… وكان الطفل يبكي.
مع الصورة، وجدت ورقة مطوية، كتب فيها:
«إن عدت إلى هنا… فاعلم أن شيئا لم يكتمل، وأن الحكاية ليست كما رويت لك. هناك ظل يسكن بين الأغصان… لا توقظه.»
ارتجفت الأرض تحت قدمي، وبدأت أغصان الشجرة تصدر أصواتا تشبه صرير الأبواب القديمة، والريح تعصف، كأنها تحمل معها صراخا مكتوما.
نظرت إلى ليلى، فوجدت دمعة تسقط من عينها، و همست:
«سامحنا… نحن من زرع الظل في هذه الأرض.»
ثم استدارت ومشت ببطء، بينما كانت خطواتها تحدث صدى غريبا، كأن الأرض نفسها لم تعد تحتمل سرها.








































