دخلت الغرفة المنسية، تلك التي طالما حذرني الجد من الاقتراب منها. كانت مغلقة لسنوات، كأنها تحمل في جدرانها أنفاس الماضي وارتعاشاته.
رائحة غبار ممزوجة بشيء غريب… كأن الزمن هنا لا يتنفس، بل يتكسر. رفعت الستائر الثقيلة التي التصقت بالنوافذ، فدخل خيط من نور شاحب. شعرت أن الأرواح القديمة تنهض من سباتها.
في الزاوية القصية، هناك… كان الكمان. لم يكن مجرد آلة موسيقية، بل بدا ككائن حي ينتظرني: الخشب داكن بلون الدم اليابس، والأوتار مرتخية كأنها تعبت من الحزن.
اقتربت منه ببطء، وامتدت يدي نحوه، لكنها ارتجفت…
أجل ، لمست الخشب، فارتعدت يدي وكأنني صافحت ميتا لم يدفن بعد.
رحت أتحسس تفاصيله: خدوش صغيرة، بقعة باهتة تشبه لطخة دمع، ونقش بالكاد يقرأ تحت الجسر الخشبي:
"إلى صفوان… حين كانت الموسيقى حياة."
رفعت الكمان بيدي المرتجفتين، وما إن مر القوس فوق الوتر، حتى صدح صوت حزين… لم يكن لحنا عاديا، بل أشبه بنشيج طفل يبكي في صمت المقابر.
لم أكن أعزف… بل الكمان هو من كان يعزف بي.
عندها بدأت الجدران تتنفس، وأرض الغرفة ترتج قليلا، ثم سمعت ما يشبه خطوات طفولية تقترب من الباب المغلق خلفي.
صوت ضعيف، أشبه بنفس خرج من قبر:
"لا تسرق ألحاني… أنا من منحها الحياة."
التفت برعب، الباب مغلق، لكن ظلالا بدأت تتسلل عبر شقوقه، وظل شجرة الجوز امتد داخل الغرفة، كأنها تريد استرداد ما فقد.
فجأة، سقط الكمان من يدي.
لكنه لم يرتطم بالأرض، بل ظل معلقًا في الهواء…
ثم بدأ يدور ببطء… دورة كاملة، ثم توقف، وارتفع صوت نغمة خفيفة، هذه المرة أقرب إلى التوسل منها إلى العزف.
الهواء تغير.
أشعة الشمس انسحبت، وكأن المكان لم يعد جزءا من هذا العالم.
اقتربت من الجدار الخشبي، حيث انعكست صورة مشوشة، فرأيت وجهي… لكن خلفي كان هناك طفل.
طفل في العاشرة ، شاحب الوجه، ينظر إلي بعينين واسعتين كمن يستجدي الخلاص.
...
ثم رأيت على الجدار المقابل شيئا ما لم أره من قبل:
إطار مائل يحوي صورة قديمة.
اقتربت منه… الصورة كانت باهتة، لكنها واضحة بما يكفي:
الجد، يقف مبتسما، وبجواره ثلاثة أطفال… أحدهم يحمل الكمان ذاته، وعلى طرف الصورة كتبت بخط طفولي مرتبك:
"صفوان – أول عزف لي."
لكن شيئا غريبا كان في الصورة…
وجه صفوان لم يكن كما يجب… كانت ملامحه ممسوحة، مطموسة، كأن الزمن قد محاها عمدا. أو كأن أحدهم لم يرد لنا أن نراه.
وفي أسفل الصورة، بخط لم يكن موجودا قبل لحظة… كتب الآن:
"لقد تأخرت… اللحن الآن ينزف."
وفجأة، سقطت الصورة على الأرض، وانقسم الزجاج إلى نصفين،
وفي الخارج…
عزف الكمان انطلق من شجرة الجوز. وحده. بصوت حاد كأنه صرخة روح تمزقت.
خرجت راكضا نحو النافذة، لكنني لم أر أحدا.
فقط ظل صغير…
يقف تحت الشجرة.
لا يتحرك.
لا يلوح.
ولا يختفي
مزرعة الرعب
الجزء الخامس:
لم تكن الليلة عادية كما ألفت أجواء المزرعة ،،فقد تلونت سماؤها بحمرة داكنة تبدو فيها النجوم بقايا جمر يختفي كلما فترت الرياح..
كنت أراجع خريطة الجد مرارا، أبحث بين الخطوط والرموز عن إجابة واحدة تقيني الخوف المتصاعد في صدري. لكن لا شيء واضح... سوى علامة شجرة الجوز، وكلمة واحدة هامسة بين السطور: "الكمان".
في الصباح، توجهت إلى الزاوية الشرقية من المزرعة حيث تسكن شجرة الجوز الكبرى. كنت أراها دائما شجرة عادية، لكنها اليوم بدت أضخم، أقدم، وأقرب إلى أن تكون حية!
اقتربت منها، وشيء داخلي دفعني للمس جذعها المتين.. فارتج جسد ي كله كأن تيارا كهربائيا تسلل إلى قلبي. ثم فجأة، سمعت صوتا خافتا، كأن أحدهم يعزف كمانا خلف الجذع... أنغام حزينة، مألوفة، مشبعة بالحنين.
حفرت عند قاعدة الشجرة، حتى لامست أصابعي شيئا خشبيا مدفونا. أخرجته بحذر. كان صندوقا صغيرا عليه حفر يدوي قديم، يشبه نحت الكف على الرمل.
فتحته ببطء... ووجدت بداخله وشاحا أحمر يلف كمانا صغيرا ، لونه بني داكن، ونقوشه تشبه فروع الشجرة نفسها، وكأنهما ولدا معا.
رفعت الكمان، وما إن لامست أوتاره، حتى تغير كل شيء.
اختفت الأشجار فجأة، ووجدتني وسط غرفة خشبية... كانت غرفة جدي! لكن كل شيء فيها بدا كأنه يعود لزمن آخر. أمامي جلس الطفل صفوان شاحبا، صامتا، يعزف نفس اللحن الذي كنت أسمعه.
وعندما انتبه لوجودي، رفع رأسه وقال بصوت شفاف:
"هذا الكمان يا عمي... هو حياتي، وصمتي، وذكرياتي. لقد صنعه لي جدي من نفس الشجرة. لكنها شجرة لا تعيش في الأرض فقط، بل في الروح أيضا."
اقتربت منه وسألته:
– "أين كنت؟ لماذا اختفيت؟"
نظر إلي طويلا، ثم قال:
"لقد أرادوا إسكاتي. كان صوت الكمان يوقظ ما دفنوه في المزرعة... والظلال لا تحب الموسيقى."
حاولت أن أستأنف الحوار معه لأسترق بعض أسرار ه الغامضة
لكنه سرعان ما تلاشى ، فعاد كل شيء إلى طبيعته، إلا أن الكمان بقي في يدي، حقيقيا، نابضا بالحرارة ،طيع الملمس يشاركني وحدة المشهد وسافر بي إلى عوالم. لم أرها من قبل .
وقفت مذهولا، أحدق في الأفق، بينما بدأت السماء تغيم، وكأن شيئا ما قد تحرر من الماضي... .
في طريق العودة إلى البيت، بدأت أوتار الكمان تغرد سمفونية حالمة حطمت تجاعيد الألم من محياي واستسلمت أخيرا ،ولو بلحظات، لملامح الأمل.
مزرعة الرعب
الجزء السادس
لم يكن الليل ليلًا حين عادت.
كان شيئًا بين الظلّ والذاكرة، بين صمتٍ يسير على مهل، وريحٍ تنكأ الجرح القديم.
عادت ليلى،
لكنها لم تكن كما تركها الجد.
كانت عجوزًا تحمل عمرين: عمرًا عاشته، وعمرًا خبأته في صمت المزرعة. ملامحها شاحبة، ويديها ترتعشان كما لو كانت تحمل سرًّا أثقل من أن يُحمل.
وقفت أمام شجرة الجوز، تلك الشجرة التي التهمت فصولًا من الحكاية، وهمست بكلماتٍ لم أفهمها أول الأمر. كانت كلمات مبعثرة بين العربية ولهجة قديمة، وبين أصوات تشبه أنين الريح في مواسم الجفاف.
قالت:
– "لا تصدق ما يخبرونك به… الشجرة لا تحكي الحقيقة كاملة."
حدّقت في عينيها، ورأيت فيهما شيئًا لا يوصف… مزيجًا من الخوف والندم والرجاء. ثم مدت يدها المرتعشة إلى جذع الشجرة، وأزاحت الغصن اليابس الذي لطالما ظنناه ميتًا.
هناك… ظهرت حفرة صغيرة، أشبه ببوابة إلى بئر سحيق. أخرجت منها صندوقًا خشبيًّا قديما، عليه نقوش بالكاد تُرى، وعلى غطائه صورة كمان مشطور، وأحرف محفورة تقول:
"للذي لا يخاف… اكشف الحقيقة."
فتحت ليلى الصندوق ببطء، وكانت المفاجأة… صورة قديمة لعائلة، يظهر فيها الجد وهو يحمل طفلًا صغيرًا… نعم، الطفل ذاته الذي لطالما ظهر لي في أحلامي، في الليالي الباردة، قرب شجرة الجوز… كان الطفل يبكي.
مع الصورة، وجدت ورقة مطوية، مكتوب فيها:
"إن عدتَ إلى هنا… فاعلم أن شيئًا لم يكتمل، وأن الحكاية ليست كما رويت لك. هناك ظلٌّ يسكن بين الأغصان… لا توقظه."
ارتجفت الأرض تحت قدمي، وبدأت أغصان الشجرة تصدر أصواتًا تشبه صرير الأبواب القديمة، والريح تعصف كأنها تحمل معها صراخًا مكتومًا.
نظرت إلى ليلى، فوجدت دمعة تسقط من عينها، وهمست:
– "سامحنا… نحن من زرع الظلّ في هذه الأرض."
ثم استدارت ومشت ببطء، بينما كانت خطواتها تُحدث صدى غريبًا، كأن الأرض نفسها لم تعد تحتمل سرّها.








































