لم تكن الليلة عادية كما ألفت أجواء المزرعة، فقد تلونت سماؤها بحمرة داكنة، بدت فيها النجوم بقايا جمر يختفي كلما فترت الرياح.
كنت أراجع خريطة الجد مرارا، أبحث بين الخطوط و الرموز عن إجابة واحدة تقيني الخوف المتصاعد في صدري.
لكن لا شيء كان واضحا… سوى علامة شجرة الجوز، وكلمة واحدة هامسة بين السطور: «الكمان».
في الصباح، توجهت إلى الزاوية الشرقية من المزرعة حيث تسكن شجرة الجوز الكبرى.
كنت أراها دائما شجرة عادية، لكنها اليوم بدت أضخم، أقدم، و أقرب إلى أن تكون حية.
اقتربت منها، و شيء داخلي دفعني للمس جذعها المتين، فارتج جسدي كله، كأن تيارا كهربائيا تسلل إلى قلبي.
وفجأة، سمعت صوتا خافتا، كأن أحدهم يعزف كمانا خلف الجذع… أنغام حزينة، مألوفة، مشبعة بالحنين.
حفرت عند قاعدة الشجرة، حتى لامست أصابعي شيئا خشبيا مدفونا.
أخرجته بحذر. كان صندوقا صغيرا، عليه حفر يدوي قديم، يشبه نحت الكف على الرمل.
فتحته ببطء… ووجدت بداخله وشاحا أحمر يلف كمانا صغيرا، لونه بني داكن، و نقوشه تشبه فروع الشجرة نفسها،
و كأنهما ولدا معا.
رفعت الكمان، وما إن لامست أوتاره، حتى تغير كل شيء.
اختفت الأشجار فجأة،
و وجدتني وسط غرفة خشبية… كانت غرفة جدي!
لكن كل شيء فيها بدا كأنه يعود لزمن آخر.
أمامي جلس الطفل صفوان، شاحبا، صامتا، يعزف نفس اللحن الذي كنت أسمعه.
وعندما انتبه لوجودي، رفع رأسه وقال بصوت شفاف:
«هذا الكمان يا عمي… هو حياتي، وصمتي،
و ذكرياتي. لقد صنعه لي جدي من نفس الشجرة. لكنها شجرة لا تعيش في الأرض فقط، بل في الروح أيضا.»
اقتربت منه وسألته:
– «أين كنت؟ لماذا اختفيت؟»
نظر إلي طويلا، ثم قال:
«لقد أرادوا إسكاتي. كان صوت الكمان يوقظ ما دفنوه في المزرعة…
و الظلال لا تحب الموسيقى.»
حاولت أن أستأنف الحوار معه، لأسترق بعض أسراره الغامضة،
لكنه سرعان ما تلاشى.
عاد كل شيء إلى طبيعته، إلا أن الكمان بقي في يدي، حقيقيا، نابضا بالحرارة، طيع الملمس، يشاركني وحدة المشهد، و يسافر بي إلى عوالم لم أرها من قبل.
وقفت مذهولا، أحدق في الأفق، بينما بدأت السماء تغيم، وكأن شيئا ما قد تحرر من الماضي.
وفي طريق العودة إلى البيت، بدأت أوتار الكمان تغرد سمفونية حالمة، حطمت تجاعيد الألم من محياي، و استسلمت أخيرا، ولو للحظات، لملامح الأمل.








































