ذات ليلة دامسة، وعلى غير عادتي، قررت أن أتحرر من انضباطي الرتيب، لأخرج من محيط البيت الكئيب. فخرجت من البيت أقصد مزرعة ورثتها أنا وإخوتي من والدينا.
كانت المزرعة تمثل لنا الكثير، لكن أشغالنا واهتماماتنا الكثيرة أقحمتها في غابة النسيان. تناسينا قسرا ذكريات الأمس البعيد، حين كنا نسترق اللحظات لننعم بسحر الطبيعة، بعذوبة المياه. قصدت المزرعة.
قرار الزيارة لم يكن وليد اللحظة، بل نداء خفي يساورني منذ عهد بعيد. نعم، منذ سنوات طويلة، حين كنت مجرد شاب يصارع الزمن، يبحث عن نفسه وسط حياة سريعة تعج بالفوضى. عندها أقنعت نفسي أن ألجأ إلى ملاذ آمن أحتسي فيه جرعات السكون، ومضات من الجمال، حتى أسترجع قواي من جديد. كنت أستأنس بالظروف لأكبت هذا الحنين.
أشعر اليوم أني وُلدت من جديد لمجرد التفكير في احتضان سماء المزرعة.
ما أن وصلت إلى المزرعة حتى زاغت عقارب القلب، واختزلت نبضاته المتسارعة إحساسا لا يوصف. رعب اللقاء وقساوة الفراق. في سكون الليل كنت أسارع الخطوات، أزج بجسدي المتثاقل بين مسالك الطريق الضيق، لأصل في النهاية إلى ركح الذكريات. أجل، أخيرًا وصلت إلى البيت الذي كان ذات يومٍ جميل، يجمعنا في بساطة.
جلست على عتبة الباب الخشبي المتهالك، أتأمل خربشات رسمتها وأنا طفل على الجدران.
فجأة، وعلى بعد أمتار قليلة، تسللت إلى مسامعي موسيقى حزينة. تبدو نبرات على كمان أوتاره قديمة. حينها غابت الكلمات، وجفّت شفتاي، وتراءت أمام عيناي أطياف غريبة.
استجمعت قواي واقتفيت أثرها وسط الظلام، وأخيرا وصلت إلى حيث كانت حدود الصبا... إلى مزرعة الجيران.
هناك، ساقتني أذناي إلى شجرة الجوز الكبيرة.
شجرة كنت أسمع عنها الكثير، لكني لم أحظ بشرف اللقاء. ها أنا اليوم أقف مسمرا أمام حضرتها.
كنت في منتهى السعادة لأني تجاوزت جدار الرعب الذي سكن طفولتي، وأخرج فضولي.
أجل، هي مجرد شجرة عادية، أقنعت نفسي بذلك.
وبخطوات متأنية، اقتربت من أغصانها أبحث عن مصدر الصمت الرهيب الذي مزق صوت الكمان الحزين.
عندما لامست جذع الشجرة، استأنف الكمان موسيقاه.
انتابني خوف طفولي ممزوج بروح المغامرة.
بدأت بحثي الحثيث عن المصدر بين ثنايا الأغصان، وفي جوف الظلام الحالك، وفي كل مكان، إلى أن عجزت قدماي عن الحركة.
غمرتني الدهشة واستسلمت جوارحي لهول ما رأيت.
أخيرا تعرفت على المصدر، على سر شجرة الجوز الكبيرة.
أجل، إنه تمثال شامخ لطفل في سن العاشرة، يحمل كمانا رثا أوتاره ممزقة، يبدو أنه تعرض لكدمات الزمن.
اقتربت في شموخ، راودني السؤال المجنون، ففاجأني السكون بجواب حطم فضولي المكنون
أجابني التمثال الحزين:
"أتريد أن تعرف قصتي؟"
دون أن يدع مجالا للرد، استرسل بصوت شجي:
"أنا ذاك الطفل الذي كان يزوركم صباح كل جمعة ليدعوكم لوجبة الغداء بأمر من جدي.
أنا من كان يطربكم كل مساء بصوته البريء، وفجأة ودون سابق إعلام، اختفى إلى الأبد.
أنا هنا منذ زمن بعيد، أنتظر فضول أحدكم، ليكشف عن سر اختفاء طفل الكمان."
رفعت يدي ببطء، وكأني أريد أن ألمس التمثال، لكن برودة الحديد تحت أصابعي أشعرتني بفراغ عميق. نظرت إلى الطفل الحزين، وشعرت بثقل كلماتِه تتغلغل في قلبي.
قال لي بصوت متهدج، كأنه يعانق النسيان:
"لقد حكم علي أن أبقى هنا، صامتا، حتى تنكشف الحقيقة.
إن لم تبح الأسرار، سيظل هذا المكان مسكونا بغيابي، وستظل الموسيقى تعزف بلا نهاية، تئن بين أغصان شجرة الجوز، محملة بذكريات لا تعرف الراحة."
أخذت أتنفس بعمق، وأحسست أن شيئا ما بدأ يتحرك في أرجاء المزرعة. الريح، التي كانت ساكنة، عادت تهمس، والأشجار التي بدت ميتة، تمايلت كما لو كانت تحاول أن تبوح بسرها.
التفت نحو الطريق الذي جئت منه، ما عاد واضحا كما قبل، بل غاص في ظلالٍ الهوس، وكأن المزرعة قررت أن تبقيني في حضنها إلى الأبد.
أغمضت عيني للحظة، وعاهدت الطفل والظل الذي يعيش في شجرة الجوز أن أعود يوما، لأكشف الأسرار المدفونة، ولأعيد الحياة إلى موسيقاه التي طالما أنشدت الحزن بلاملل على أمل أن تغرد يوما الفرح وتبتسم للأمل.
ومضى الليل، ولم تنقطع أوتار الكمان، تصدح في صمتٍ رهيب، تعزف لي أغنيةَ انتظار سرمدي.








































