إهداء
إلى كل أنثى جعلت من الوجع درسا في النهوض،
ولم تفقد رقتها في زمن يقدس القسوة
إلى التي ما زالت تؤمن أن الكلمة يمكن أن تداوي،
وأن الصمت أحيانا أبلغ من ألف نداء.
إلى من اختارت الكرامة على الحب،
والنور على البقاء في العتمة.
إلى التي تمشي بثقة فوق رماد الخذلان،
وتترك خلفها أثرا من عطر و دهشة
اختارها كما يختار المتعب وسادته الأخيرة.
لم يفتنه العقل ولا الحنان، بل الانعكاس اللامع لأنوثتها على سطح غروره.
كانت له كقطعة مرمر صقلتها يد الخالق ليطمئن على وجود الجمال فوق الأرض.
ضحك حين وافقت على الزواج منه،
ضحكة صياد ظفر بسمكته الذهبية،
غير أن الذهب يصدأ حين يسجن في الملوحة.
في البدء، كان البيت لوحة من ضوء:
هي تطهو النكهة بضحكتها،
تسقي الزرع من كفها،
وتقنع الجدران بأن الحب لا يشيخ.
وكان هو يظن أن كل هذا من واجبات الكواكب حول شمسه.
كانت له أما حين يرهقه العمل،
و ابنة حين يتدلل،
وحبيبة حين ينام العالم،
و ظلا حين تطفئ الأيام أنوارها.
وحين أنجبت له أبناء يشبهون الحلم،
تباهى بهم أمام المرايا ،
ثم مل انعكاسها فيهم،
وقال بملل نبيل: “لقد صارت ظلا باهتا لامرأة كنت أعرفها.”
ثم جاءت الأخرى...
ذات العطر المائل للخداع،
تضحك كما تضحك الإعلانات،
وتبكي كما تبكي الممثلات في مشهد محفوظ.
فتحت له نافذة من وهم،
فأغلق باب بيته على الحقيقة.
منذ ذلك اليوم،
صارالبيت يشبه مقبرة تضاء بثريات باهتة،
وصار قلبها شمعة تحرس رمادها في صمت.
كان يعود من مغامراته المتعطرة بالعطر الرخيص،
ويحاول غسل الخيانة بالماء والابتسامة.
كانت تراه وتبتسم،
ليس ضعفا، بل شفقة على رجل لا يعرف أنه يخسر نفسه ببطء.
وفي صباح بارد،
أعدت له فنجان قهوته كما اعتادت،
وضعت إلى جانبه رسالة صغيرة،
وغادرت بثوب أبيض يشبه الغفران.
حين عاد،
وجد القهوة دافئة على غير العادة،
والكرسي المقابل خاليا،
وعلى المائدة ورقة تقول:
"شكرا لأنك جعلتني أكتشف أن الكرامة أجمل من الحب،
وأن الرحيل أصدق أشكال البقاء."
ابتسم — كعادته حين لا يفهم —
ثم جلس يحدق في فنجانه،
فرأى وجهه يذوب في السواد شيئا فشيئا.
ومنذ ذلك اليوم،
لم يعد البيت يعرف الضحك،
ولا المرآة تعرف وجهه،
وصار كل صباح يبدأ بفنجان بارد،
ورسالة صامتة تهمس له من غيابها:
“صباح الكرامة... لمن تأخر في فهمها.”





































