✦ إهداء ✦
إلى من يحملون الماس في صمتهم، يتجرعون الخيبة والخذلان ويضيئون الدروب بلا ثناء، بينما لا يراهم من حولهم إلا بأعين المخطئين.
* كلام من ماس *
كان اللقاء أشبه بصدفة تلمع في عتمة الأيام…
في زاوية من المدينة، حيث تختلط رائحة القهوة بطعم الغبار، ويصير الزمن أقل اكتراثا بوجوه العابرين، التقيت شيخا في الستين، رجل يحمل على كتفيه عمرا لا يقاس بالسنوات، بل بما خذلته الحياة فيه.
ملامحه منحوتة من تجاعيد تحكي أكثر مما ينطق به الفم، وفي عينيه غيمة لم تمطر بعد، وفي صمته ضجيج قصص لم ترو.
كان لا يعرف من المواعيد إلا اثنين: موعد العمل، وموعد لقائه اليومي مع قنينته… وما سوى ذلك، كان يتركه للريح.
الناس عبروا أمامه كثيرا، لكنهم لم يروه…
رأوا سكيرا يتمايل قرب الرصيف، فطووا عنه أبصارهم ومضوا، غير مكترثين. لم يخطر لأحد أن يسأل: لأي جرح يشرب؟ وأي حزن يحاول أن يروض؟
في صباح بارد يبتلع الأصوات، والمقهى يستفيق مثل عين لم تكمل نومها، بحثت عنه… عن صندوقه الخشبي الذي كان يقف دومًا أمام الباب، مثل شاهد صغير على طقوسه اليومية.
لم يكن هناك. غاب الصندوق، وغاب الرجل.
كان في زاوية المقهى رجل آخر، يضع ساقا فوق ساق، يحتسي قهوته ببطء متعمد، وكأنه ينتشي بانتصار واهم لا يعرف أحد مصدره. عيناه تلمعان بفضول ثقيل، وابتسامة جانبية تلوح على فمه، لا من الطيبة… بل من نشوة التلصص على حيوات الآخرين.
مال بجسده قليلا، ونفث جملة وهو يحرك فنجانه:
“لقد ذهب إلى القرية…”
ثم سحب رشفة طويلة، كأنما أضاف للتو دليلا في محكمة لا قاضي لها.
ثم أردف، بفضول يشبه الشماتة الخفيفة:
“…زيارة قصيرة، وسيعود، لن يصبر على بعد حبيبته.”
لم يكن صندوقه مجرد علبة عمل… بل مسرح صغير، تؤدّى فوقه رقصة التلميع بخشوع غريب.
كان يعامل الأحذية كما لو كانت قلوبًا متعبة تستحق لفتة رحمة، يمسح الجلد، ينفخ عليه قليلًا، ثم تولد اللمعة… كأنها شمس صغيرة تكافئه على صدقه.
ساد صمت في داخلي أثقل من الكلام.
قريته؟ لم أتخيله يوما ينتمي إلى مكان له باب يطرق.
اقترب رجل آخر، وقال بنبرة نصفها دهشة ونصفها حقيقة:
“أمه مقعدة ومريضة… وهو يصرف عليها.”
تجمدت اللحظات.
المظاهر لا تكذب فقط… بل قد تدين الأنقياء.
هو لم يكن سكيرا هاربا، بل رجل يسكب كأسا صغيرة في فم الخيبة كل مساء… فقط ليبقى حيا حتى الصباح، ويحمي أسرة أنهكها القدر.
بعدها، صرت أزوره أكثر… لا لألمع حذائي، بل لألمع فهمي.
كان إذا انحنى فوق الحذاء، يبدو كمن يرمم كرامة لا جلدا، وإذا مرر الفرشاة، تسمع لها وشوشة صبر غريب.
وذات يوم، قال وهو يرفع رأسه قليلا، كمن يزيح غبارا عن ذاكرة بعيدة:
“حصلت على الباكالوريا قديما… لكن الشهادة بلا عمل تصبح مجرد ورقة… بلا روح.”
لم ينتظر الوظيفة… فالجوع أسرع من الانتظار.
اختار الرصيف، وصاحب الصندوق الخشبي، وامتهن مسح الأحذية… لا ليعيش فقط، بل ليحمي أسرة أنهكها القدر.
وعند الزوال، كان يميل إلى زاوية بعيدة، يرفع القنينة ببطء، لا احتفاء بالخمر… بل هدنة قصيرة مع ثقل العالم.
ثم يعود صباحا، مستقيم الظهر، ثابت النظرة، كأن الانكسار نام خارج جسده.
يتصفح الجرائد الفرنسية كلما سقطت بين يديه، يقرأ بلغة أنيقة، وفهم أعمق من كثيرين بادلوا الكتب بالادعاء، ويصغي للعالم بعقل لم تثقله الخيبات.
هكذا تعلمت منه…
أن الأيدي التي تنظف أحذيتنا قد تكون أنقى من القلوب التي نحملها في صدورنا.
وأن المعرفة قد تهزم أمام الحاجة، لكنها لا تسقط من روح صاحبها.
وأن المدن، رغم ضجيجها، نادرا ما تنجب عينا تبصر الإنسان خلف مهنته.
كان درسا من رصيف لا يدرس…
وكلاما من ماس لم يلمع إلا لمن اقترب.





































