✦ تقديم ✦
في زمنٍ يتكاثر فيه الرماد وتقلّ فيه الحكايات التي تُروى واقفة،
تولد "جُمانة" من بين الركام... لا لتبكي، بل لتشهد أن الحلم لا يُقصف.
هي امرأة من حيفا، أمٌّ من رفح، جذورها في الأرض ودمها في التاريخ.
تحمل مفتاح بيتها كما يحمل القلب صمّام حياته، وتزرع في الأبناء شجرة الحنين قبل الخبز.
هذه الحكاية ليست مجرد سردٍ عن أمٍّ فلسطينية،
بل مرثية نهوض... واحتفاء بأنوثةٍ تتحدى الفناء.
جُمانة لا تموت لأنّها الوجه الأنثوي لفلسطين ذاتها —
امرأة تصوغ الوجع حبًّا، والفقد إيمانًا، والرماد وطنًا جديدًا.
✦ إهداء ✦
إلى النساء الفلسطينيات اللواتي علّمن العالم أن الصبر شجرة زيتون،
وأن الأمهات يلدن الأوطان كما يلدن الأبناء.
إلى أمّهات الشهداء اللواتي جمعن المفاتيح والذكريات،
وجعلن من الحجارة مهودًا للحلم.
إلى كل جُمانة ما زالت تمسك بالمفتاح وتنتظر الضوء،
وتقول للعالم من بين الركام:
"أنا لم أنهزم، أنا فقط أواصل الحياة على طريقتي."
✦ جُمانة ✦
لم تكن تشبه سواها من نساء المخيم.
كان في عينيها بريق زيتونةٍ لم يطفئه الحصار،
وفي يديها تجاعيد تشبه خرائط فلسطين.
من حيفا بدأت الحكاية...
يوم سقطت المدينة تحت رماد الغرباء،
ضمّت طفلها الأول إلى صدرها،
وحملت بيدٍ مفاتيح الدار،
وبالأخرى رغيفًا ناشفًا وذكرى آخر غروبٍ فوق البحر.
قالت وهي تعبر الحدود:
"سأعود حين تنبت الحجارة جناحين."
مرت العقود،
ورائحة الزعتر في بيتها البديل لم تعرف الغياب.
زرعت الزيتون عند باب الخيمة،
وقالت لأبنائها الستة:
"هذه شجرة تشبهنا،
تُقطع فتنبت،
تُحرق فتثمر،
لا تعرف الانحناء."
كبر الأبناء،
وحمل كلٌّ منهم جرحًا يشبه تراب وطنه.
استُشهد زوجها عند مفترق طريق،
ولم تبكِ طويلاً.
أشعلت قنديل الزيت،
وهمست: "الضوء لا يُدفن."
في طوفان الأقصى،
فقدت اثنين من أبنائها.
عادت إلى بيتها المتداعي في رفح تحمل أربعة أحفاد،
وجيبها يئنُّ من مفاتيح الدار القديمة.
قالت:
"هم استراحوا، وأنا بقيت لأعدَّ الغياب."
وفي ليلةٍ داكنةٍ تواطأ فيها القصف مع الصمت،
تزوجت الأمانَ في بيت ابنتها،
لكن الموت سبقه إليها.
سقط السقف، وتهاوى الجدار،
وبقيت جمانة تحت الركام تصغي لأنين الأحفاد.
كانت تناديهم بأسمائهم واحدًا واحدًا،
وصوتها يختلط بصوت الريح...
وحين أشرقت الشمس،
خرجت من بين الأنقاض كمن يُبعث من الأسطورة.
وجهها مغطى بالرماد،
لكن عينيها تشعّان كقنديلين في ليلٍ طويل.
وقفت على أنقاض البيت،
رفعت المفتاح عالياً،
وصرخت بصوتٍ اخترق الدمار:
"أنا جمانة... أمّ الشهداء،
لم أُهزم، ولم أرحل،
فبيتي وإن هُدم، يسكن في صدري!"
في مساء الهدنة،
جلست عند شجرة زيتونٍ نصف محترقة،
وضعت المفاتيح في حضنها،
وأشعلت شمعةً من بقايا القنديل القديم.
قالت لامرأةٍ تمرّ باكية:
"لا تبكي، يا ابنتي...
الوطن لا يموت،
إنه فقط... يتنفس بين ركامنا."
ثم ابتسمت كمن رأى الغد،
وغابت في غروبٍ ذهبيٍّ
يشبه ألوانَ حيفا البهية.





































