إهداء
إلى روح لم تغادرنا… بل اتسعت، حتى صارت تسكن كل نبضة صادقة، وكل حرف يجرؤ على الحياة.
إلى من جعل الكلمة ميثاقا، والحقيقة وطنا لا يغتال، إلى من قاوم بالصوت حين صمت العالم، وبالحبر حين نزف الدم.
إلى الفقيد الذي لم يمت… بل تماهى في وجدان كل حر، نطق بالحق، ولم يخف العواقب.
سلام على بطل … أيقظ المعنى كلما نام، وزرع في العتمة شعلة الوعي… والعناد الجميل.
سلام عليك… فما قلته ما زال يقال، وما آمنت به أصبح نشيدا لا يغيب.
لقد علمتنا… أن الكلمة حين تصدق، تصير سلاحًا لا يهزم، وصوتا يعلو… فوق الغياب.
✦ النص ✦
لم يكن رجلا يكتب…
كان قدرا يكتب.
تبين أنه لم يكن مجرد حروف على الورق، بل هدفا يطارده الجواسيس من أبناء جلدته، كمن يطارد سرابا… في صحراء لا تنتهي.
بحثوا عنه بين البنيان المهدم، وبين ما تبقى من البلاد والعباد.
طاردوا ظله الذي لا يلتقط، وصدى كلماته التي تهوي في القلوب أثقل من القذائف.
طوقوه في كل مكان:
• في رحاب المساجد حين ترتجف الأرواح،
• في أروقة المستشفيات حيث تتشبث الحياة بأنفاسها الأخيرة،
• بين خيم الملاجئ المبللة بالخوف،
• وتحت الركام، حيث تختبئ الطفولة المذعورة.
ومع ذلك… لم يعرفوا من يكون.
كان شبحا بلا مقام… لا يحتمله زمن، ولا يحتويه مكان.
يتسرب من قبضتهم كهواء يفر من قبضة الليل، ويغير وجهه كما يغير المعنى قناعه، ويختبئ في صدور المؤمنين بالحقيقة، كما يختبئ المطر… في السحب الممتلئة بالرجاء.
ما فاتهم… أنه كان يملك مفاتيح الزمن.
يرى ما لا يرون، ويقرأ خريطة مصائرهم… قبل أن تُرسَم.
كأنه وجد قبلهم، فكتب على جدران الأزمنة نبوءاته، وكأنه سيبقى بعدهم، واقفا فوق أنقاضهم كفكرة لا تهزمها الهزائم.
وحين يتكلم… يتوقف الزمن.
تحبس الشاشات أنفاسها… وتنصت الأرض قبل السماء.
لا تسمعه الآذان أولا… بل تسمعه القلوب.
ترتجف الأصابع فوق مفاتيح البث… وترتفع الأبصار عن وهج الشاشات، انتظارا لذلك الصدق الذي يهز عروش الزيف… ويوقظ الضمائر من سباتها الثقيل.
لم يكن رجلا من لحم ودم… كان فكرة تمشي على الأرض.
إذا نفي إلى صحراء… أزهرت فيها المعاني.
وإذا حورب بالكذب… توهجت منه الحقيقة.
هو أمير الكلام… كلما ظنوا أنهم أسكتوه، انبثق من حنجرة شعب آخر، من صمتهم… من أملهم… ومن كل حرف يرفض أن يذبل.
وكلما سألوا: من هو؟
جاء الجواب من بين الشقوق، من الحناجر التي لم تمت، ومن القصائد التي لم تكتب بعد…
فهو ليس صوتا كي يخرس… ولا جسدا كي يقيد… ولا اسما كي يمحى.
هو النداء حين تسقط المآذن… وهو القصيدة حين تنهار القافية… وهو الحقيقة حين تتزوق الأكاذيب بالألقاب.
لم يمت… لأن موته كان بداية انتشاره، ولأن الرصاصة التي أخطأت قلبه… أصابت المعنى، فصار خالدا.
سلاما عليه… يوم قال، ويوم غاب، ويوم تقف الكلمات شاهدة على أسمائه التي لا تحصى.
هو أمير الكلام… وما يزال.
كلما سقط صوت… نهض منه ألف صدى.
وكلما خمد حرف… انتفضت القصيدة… وانتصرت.
وقعت بالكلمة… والكلمة لا تموت.
ويبقى أثرها حين يفنى الزمان،
شاهدة على من أخلصوا ومضوا.





































