حياة حافلة بقطار متلاحق من الأحداث، صقلت روحه قبل عقله،
و أعادته مرارا إلى جوهره الأول.
ولد مبكرا في قسم قاس من العالم، حيث تتقدم الحاجة على الحلم ، و حيث يتعلم القلب أن يكبر قبل أوانه.
لم تكن البدايات رحيمة؛ كانت ثقيلة بما يكفي ليتعلم الصمت، ويفهم أن بعض الأوجاع لا تقال… بل تحتمل.
ومن بين الشقوق،تسلل إليه معنى الصمود. تعلمه من أساطير لا تشيخ : من غاندي وهو يواجه العالم بسكينة عنيدة ، من عمر المختار وهو يلقن الزمن درس الكرامة ، ومن الخطابي وهو يعيد تعريف الحرية بالفعل لا بالشعار.
رموز لم تسكن الذاكرة فقط ، بل صارت بوصلة خفية لروحه المتعبة.
اطلع على تاريخ الأمم ، وتوحد معها حد الهوس ، كأنه كان يبحث عن اسمه في دفاتر الآخرين.
عشق زمن الازدهار، السبق العلمي،
و أيام الأندلس حين كان العقل ضوءا ، والعلم نافذة مفتوحة على الغد.فنهل من عروقهم ، ومن مجدهم القديم ، قيم الشموخ
و الإصرار ، و كأنها ميراثه المؤجل.
في سن مبكرة ، بدأ أولى خربشاته.
يرسم طفولته البسيطة بألوان زاهية ، يوثق ذاكرة صغيرة تحلم بإشراقة قادمة،وبابتسامة موعودة
لم تفقد موعدها بعد.
ثم جاءت الحياة بوجهها العملي الصارم . وضع الحلم على الرف،
رف خشبي بارد تراكم عليه الغبار
بهدوء لا يسمع . كان عليه أن يسبق الوقت، أن يطارد الضرورة ، أن يصنع يومه قبل أن يسمح لنصه أن يولد.
طال الانتظار . حتى خيل إليه أن الرف صار قدرا ، وأن الكلمات ستذبل قبل أن ترى النور.
لكن الصمت لا يدوم.
انبثق فجأة ، تفتح من الداخل،
و أزهر ياسمينا يافعا،. و أقحوانا مكتمل النضج ، كأن الكتابة كانت تنتظر اكتمال الجرح لا شفاءه.
عندها ، بدأ مسيرته الأدبية قاصا،
يتقن العوم في أعماق الكلمة،
و يتيه في ظلال الشخصيات.لا يكتبها من عل ، بل يسكنها ، ينصت لأنفاسها ، و يتركها تمشي وحدها
حين تكتشف مصيرها.
وما زال يمشي. لا يحمل يقينا كاملا ، بل فضولا ناضجا و شغفا تعلم الصبر.
يكتب لأن الكتابة لم تعد خيارا،
بل طريقة أخرى ليتنفس العالم من خلاله.
يضع نصوصه على الرف ، لا خوفا من النسيان ، بل احتراما للنضج.
فبعض الكلمات تحتاج أن تعبر
الحياة قبل أن تقال.
وحين يعود إلى الورق ، يفتح نافذة لا مرآة ، ويمضي… كأن الحكاية
لم تبلغ ذروتها بعد ، وكأن السطر القادم ما زال يتهيأ لينطق باسمه.








































