وقف يحدِّق بعينين مُتَّسعتين نحو تِلكَ الأشياء الهائِمةِ في الهواء. لم يُصَدِّق عينيه وشَعَرَ أنَّهُ يَحلُم. تَنَفَّسَ بِعُمقٍ وابتلع مُحاولاً استِدراكَ الوضع أو فهم أيِّ شيءٍ مِمَّا يَدُورُ دُونَ جدوى. الأمرُ بَدأ معهُ مُنذُ أن أَتمَّ العشرين، حِينَ رَأَى أوَّلَ شَبَحٍ في حياته. كان يقفُ فوق رأس أُختِهِ الصَّغيرة حَديثةِ الولادة. حاول الصُّرَاخَ وتنبيه أُمِّهِ وَأَبِيهِ، ولكِنَّهُم نظروا إليه بصدمة واعتقدوه مجنوناً، وكاد يُصدِّقهم حتَّى وَجَدَ الشَّبَح ينظر إليه ويبتسم بوسع... هو موجودٌ حقّاً.
مُنذُ ذلك اليوم وهو يراهم كلَّ يوم وفي كلِّ مكان. حاول مراراً تجنَّبهم، فالبعض منهم حين يعلمون أنَّهُ يراهم يبدأون في مضايقته وإيذائه. لذا قرَّر أن يتَّخِذَ أسْلوب 'لا أرى، لا أسمع، لا أتكلَّم'.... وقد نَجَحَ.
كبرت أخته الصَّغيرة أمام عينيه وهو يراها تلعب معهم. فكما نعلم جميعنا أنَّ الطِّفل يراهم حتى يستطيع التحدث. ولكن الأمر كان مختلفاً مع أخته، لقد اتَّخذت منهم أصدقاء لها، تلعب معهم وتُحادِثُهم، بل ويسألونها عنه هو الجالس دوماً بالقرب منها يقرأ في كِتابٍ ما لا يفقه عمَّا يتحدَّث، ولكنَّهُ لن يتركها معهم وحدها.
اليوم حين فَتَحَ باب المنزل وقف متصنّماً وهو يراهم يملؤون المكان. ابتلع وحاول أن يتمالك نفسه وهو يرى أخته ترتفع وتهبط في الهواء وهي تضحك بشدّة كأنّها تلعب. تنفّس بعمق وبدأ يدور في المنزل كلّه بحثاً عن أمّه.... فلم يجدها. تعجّب من ذلك، فكيف ستترك الصغيرة وحدها وتخرج من المنزل؟ انتفض قلبه حين سمع همساً بجوار أُذنه:
"أمّك ليست هنا، وإن لم تُطِعنا فسَتلحَق بها."
ألتفت ببطءٍ إلى الجانب فوجد شبحاً ذا وجهٍ دميمٍ وابتسامةٍ مُرعبةٍ ينظر إليه في عُمق عينيه. اهتزَّ جَسده حين وجدهم قد حاوطوه. لقد... علموا سِرَّه، علموا أنَّهُ يراهم ويسمعهم.
"أنت سبب كلِّ ما سيحدث لعائلتك."
تركهم وكأنَّهُ لا يراهم وركض نحو أُختهِ الّتي كانت جالسةً تلعب مع أحدهم. جلس بجوارها وأمسكها من ذراعيها لتنظر إليه بتعجُّب.
"سارة، اسمعيني جيِّداً، أين أُمِّي؟ فقط أشِّري لي وسأفهم."
نظرت إليه الصَّغيرة بتعجُّب ثُمَّ نظرت إلى جانبها، ولكنَّهُ أمسك رأسها سريعاً لتعود بنظرها إليه.
"لا، لا تنظري حولك، نحنُ وحدنا. أفهمتي؟ أين أُمّك؟"
أشارت بيدها نحو الخزانة الموضوعة في غرفة الجلوس، فحمل أخته واقترب من الخزانة، ولكنَّهُ توقَّف شاهقاً حينَ رأَى دِماءً تَسيلُ من أسفل الخزانة. احتضن الصَّغيرة وبدأ يبكي بقوَّة وهو لا يعلم ماذا يفعل: أيظلُّ مُتجاهلاً إيَّاهم أم ماذا؟ هل كان تصرُّفُه صحيحاً من البداية؟ ابتلع حين سمع نفس الكائن يتحدَّث إِليه وهو ينظر إِلى الخزانة معه.
"نعم، أنت السبب، وكي لا تفقد أحداً آخر أعطنا الفتاة، فهي منَّا وصديقتنا."
صرخ بفزع وهو يحتضن الصَّغيرة وابتعد ناظراً إليه بغضب.
"لن تلمسوا منها شعرة على جثتي!"
"أنت من طلب."
فجأة انقطع الضَّوء وارتفعت الأصوات وهو لا يرى شيئاً. صرخت أُخته بين يديه بفزع، وشعر بمن يسحبها منه، ولكنَّهُ تمسَّكَ بها وهو يصرخ ويبكي حتَّى اختفى صوتُ أُخته. لا يعلم ما الّذي حدث لها، ولكن وزنُها أصبح أخفَّ بين يديه. فجأة شَعَرَ بشيءٍ بل أشياء تخترق جسدهُ، جعلتهُ عاجزاً عن التَّنفُّس. وآخِرُ ما سَمِعَهُ قبل أن يُغمض عينيه كان صوت الكائن البشع:
"هذا جزاءُ من لا يستمعُ لنا."
بعد عدّة أيّام، كُتِبَ في الصُّحُف فِي الصَّفْحة الأولى عُنوان بِخطٍّ عريض:
"مصرع أُسرة بأكملها داخل منزلهم في ظُروفٍ غامضة، وقُيدت الحادثة ضدّ مجهول."





































