لم يكن المطر مجرد طقس عابر فى تلك الليلة…
كان رسولا من السماء يحمل معه مفاتيح الذاكرة
يطرق أبواب القلب برفق
ويعيد ترتيب الحنين داخلها كأن الزمن يعود خطوة إلى الوراء ليستقر فى أحضان من رحلوا وبقوا في الروح
تحت المطر المنهمر وقفت هي عند شباك غرفتها
تحدق فى السماء كأن كل قطرة تحمل معها ذكرى عزيزة لم تكن رائحة المطر مجرد نسيم عابر… كانت مفتاحا يفتح أبواب القلب المغلقة منذ سنوات فتنهض الذكريات من سباتها وتجلس بجوارها كضيوف طال غيابهم
تمتمت بصوت خافت:
"وحشتوني يا بابا… يا ماما."
لم يجبها أحد
لكن المطر أجاب بصوته كأنه يشاركها الحنين
عاد صوت والدها واضحا في رأسها:
انظري للمطر… ربنا بيبدل الحال
وهمست أمها في ذاكرة قلبها:
الدنيا بتروح وتيجي… بس إحنا دايما معاكي بروحنا
شعرت بقلبها ينقبض ثم يلين
كأن الذكريات تربت عليه بلطف
امتزج حنينها بضحكات أخواتها القديمة…
ليال كانوا يركضون فيها تحت المطرة يختبئون ثم يضحكون
يصنعون من قطراته ألعابا
ومن براءتهم عالما كاملا لا ينسى
قالت لنفسها وهي تمسح دمعة ساخنة هربت رغما عنها:
كبرنا… وفرقتنا الأيام… لكن الروح لسه هناك
اشتد المطر فازدادت دقات قلبها دفئا رغم البرد
غضت طرفها عن الشارع المبتل
وبدأ الحوار داخلها يتجدد…
بين طفلة تبحث عن حضن أمها
وامرأة تحاول أن تقف رغم الغياب
سألت نفسها بصوت يختلط بأنين الذكرى:
ليه الحنين بيصحى مع المطر
فأجاب صوتها الداخلي:
لأن المطر بيغسل الدنيا… ويغسل قلوبنا من وجعها
ويخلى اللى راح يرجع نضيف جوا الروح
تنهدت بعمق
وكأنها تعانق كل لحظة جميلة رحلت
وحشتوني… بس لسه عايشة بيكم
أغمضت عينيها وسمحت للمطر أن يكمل حديثه معها
حديثا بلا نهاية…
ذكريات لا تمحى
وحنين لا يخون وقلب يظل يشتاق لأجمل أيامه كلما لامست الأرض أول قطرة مطر
وذكريات تغتسل بالمطر
حين يتكلم المطر… تصحو الروح
وبين المطر والذاكرة… يعود الغائبون
لم يكن المطر مجرد طقس عابر في تلك الليلة…
كان رسولا من السماء يحمل معه مفاتيح الذاكرة
يطرق أبواب القلب برفق ويعيد ترتيب الحنين داخلها كأن الزمن يعود خطوة إلى الوراء ليستقر في أحضان من رحلوا وبقوا في الروح
ومع آخر قطرة مطر أدركت أن الذكريات لا ترحل…
إنها فقط تنتظر لحظة صدق لتعود وتحتضن القلب من جديد








































