عام 2001 كنت طالبا في تمهيدي ماجستير الهندسة الميكانيكية... ، وكانت منسقة الدراسات العليا... شابة جميلة، نشطة وخدومة ... و تبذل جهدها لتذليل الصعاب لطلاب الدراسات العليا ..و لأنها كانت تكبرنا بعدة سنوات بسيطة ... فكانت قريبة من معظمنا ...
أذكر أني كنت أتحدث معها عن معاناتي مع موظفة المركز القومي للبحوث بالدقي بمحافظة الجيزة ... حيث كنت اسافر الي هناك لمجرد الحصول علي "abstracts" أو ملخصات للإبحاث التي تخدم مجال النقطة البحثية التي أنوي دراستها ...
فقد كنت اسافر من الاسكندرية إلى الدقي و معي ال key words، لكي تطبع لي معالي رئيس قسم الكلمات الافتاتحية (طبعا لا يوجد قسم بهذا الاسم وهذا من إختراعي ) ملخصات الابحاث ، وكانت ترد علينا كأنها "أنسر ماشين" : " فوت علينا بكرة !" .. وكأننا في وزارة التموين او قل وزارة الشؤون الاجتماعية المبجلة ..
كنت أستعد لهذه الموظفة الخمسينية إستعدادا خاصا بمزيج من القصص المؤثرة حتى يرق قلبها لي .. و تطبع لي الملخصات في نفس اليوم بدلا من العودة الي الاسكندرية بخفي حنين ... ، فتارة أخبرها أني مهاجر من الأسكندرية وظروفي صعبة ومعى سبعة قروش فقط في جيبي ... ، وتارة أخبرها أني ضابط في القوات المسلحة وظروفي اصعب من ظروف ابو لهب .. و"مزوغ" من العمل وسوف اعاقب إن لم أرجع بالملخصات اليوم ، ... وكنت إذا فشلت مع كل هذه الحيل في إقناعها بطبع الملخصات في نفس اليوم ... كانت الحيلة الأخيرة .. فأدخل عليها مبتسما وقائلا : ما شاء الله ... كأنك في العشرين من عمرك سيدتي الرشيقة ... فتنتفض فورا من مقعدها وتطبع لي الملخصات ... مصحوبة بإبتسامة عريضه ... ثم تنظر لزملائي في طابور الباحثين و تقول لهم " فوتو علينا بكرة " 💪
كانت حيلة عظيمة تعلمتها من احد قادتي ... و من يومها و انا مواظب على إستخدامها ... وبها تفتح الأبواب والنوافذ واي شئ تريد فتحه . ..
المهم ... كان الحصول علي الملخصات معاناة حقيقية ... ، ولأني قبلت التحدي الذي عرضه علي إستاذي الجليل وتاج رأسي المرحوم الاستاذ الدكتور طاهر عوض رحمة الله تعالى عليه وغفر له .. . و كان استاذا عظيما للتصميم الميكانيكي في جامعة الأسكندرية .. ، فقد عرض علىٓ نقطة بحثية في مجال الذكاء الصناعي وتحديدا بإستخدام الشبكات العصبية ... ، وكان ساعتها علما جديدا و مبهما .. و لا يوجد ملخص بحث واحد عنه في مكتبة هندسة الاسكندرية ... وقد حذرني الجميع من قبول نقطة بحثية ليس لها ملخصات كافية أو سابقة أبحاث ... لكني قبلتها .. كعادتي
وكان لابد من السفر الي الدقي حيث مركز البحوث وموظفيه الذين يحملون روح موظفي السجل المدني.. كأحد مصادر الملخصات المتاحة ..
أعود الي منسقة الدراسات العليا.. والتي ذات مرة .. قامت بسحب ورقة من على مكتبها و خطت لي عنوان انترنت url لموقع الكتروني وأخبرتني أنه موقع جديد سيساعدني في العثور علي ملخصات وابحاث في المجال الذي أبحث فيه ..
ما هو هذا الموقع يا ترى ؟!؟ ... أنه جوجل ... ، نعم جوجل .. فقد كان موقعا جديدا ... و تعرفت عليه لاول مرة عن طريق اختي الكبيرة و صديقتي الغالية .. الاستاذه نيفين ..و التي أصبحت فيما بعد لاعبة قوس و سهم مبهرة والعبد لله متبرئ من تدريبها .. 😅
دعك من كل هذا ...
دخلت الي جوجل ... الموقع الحلم ... تكتب مجرد كلمات .. تظهر لك مئات النتائج .. الملفات والمعلومات .. إنه لحلم عظيم ... ووداعا لطابور المركز القومي للبحوث وموظفته الفاتنة ..
كنت لازلت ادرس أحد مواد التمهيدي ... وكان يَطلب منا اعداد ابحاث صغيرة في مادته ... فطرت إلي أستاذ المادة و كان يقطن الدور الرابع في قسم الميكانيكا بهندسة الاسكندرية .. و كان صعب المراس ... طرت إليه عارضا عليه عدة ورقات مطبوعة ... بها بحث صغير ..مفتخرا بأني جمعته من عدة مصادر عبر الموقع الجديد و المعجزة .. جوجل ..
نظر لي نظرة بائسة .. وأعطاني محاضرة فقهية في أن استخدامي لجوجل والانترنت هو أول خطوات الفشل .. و اني احد المرشحين القلائل للرسوب في مادته ... إن لم أكن أولهم!
ولأني شخصية هادئة جدا بطبعي وخجول ومسالم ... دخلت معه في جدل عنيف ..عن ما هو الفارق بين الحصول على المعلومة من جوجل او من الحصول عليها من كتاب أو مرجع ؟!! .. أليس المهم هو كيفية التعامل مع المعلومة مدى فهمها ؟ ... ، ولكن هيهات ... ولأنه استاذ كلاسيكي قديم.. لم يعجبه جدالي وأدائي . .. فأجابني رافعا تحذيرين كبيرين. .. الأول .. أن مجرد مناقشة الاستاذ جريمة ... والثاني : الحصول علي المعلومات بطرق سهلة عبر الانترنت جريمة أخري .. و النتيجة أنك لن تنجح في المادة ! .. ، لن تنجح يا ولدي .. و يجب ان تتعب وتذاكر تحت عمود النور وفوق عمود المحمول .. أيهما للخازوق أقرب .. لكي تنجح !
يذكرني بأمي عندما كانت تقول لنا .. انا واخوتي زمان .. الشاطر هو الذي يذاكر تحت عمود النور ... ويبدو أن عمود النور كان رمزا لهذا الجيل ...
ولأنه - أي استاذ المادة - على ما يبدو قد قرأ في ملامح وجهي أني غير مقتنع .. فقد فاجأني بطلب غريب وعجيب ..
طلب مني أن اذهب الي مكتبة كلية هندسة بجامعة أسيوط .. !! ...لأن هناك مرجعا لا يوجد الا هناك .. ... اذهب الي هناك ولخص لي اول اربع ابواب ... وإرجع بالخطوة السريعة .. مع القفز أحيانا 😀😀
😀 يا بروف ... ، ما أسم هذا المرجع اللولبي ؟
- عندما تصل الي هناك سأخبرك
- يا بروف ... الا يوجد نسخ أخرى من هذا المرجع الخارق .. هنا في الاسكندرية او حتى في القاهرة او في المنصورة مثلا ؟؟
- لا .. فهو نسخة وحيده خطها بن سينا وتركها لابن الهيثم قبل ان يموتا كمدا من قسم الميكانيكا بهندسة الاسكندرية.. !!
- يا بروف اخبرني باسم المرجع وانا سأتصرف من اي مكتبة اخرى او جوجل
- جوجل ... جوجل .. لو نطقت هذه الكلمة فأنت راسب في مادتي .. فورا
- يا بروف أنا لم اصبح بعد حكما في دوري المحترفين لكرة اليد وليس للقوات البحرية وحدات على النيل هناك فلماذا اذهب الي اسيوط ؟؟؟
- أسيوط او الرسوب ...
يا إلهى .. يبدو أنه لا مفر من السفر إلى أسيوط هذه ... وكنت لم اسافر الي الصعيد في حياتي بعد ... ، وكان عندي في عملي زميل جندي مهندس من محافظة أسيوط اسمه فيه الكثير من حرف السين ... ، طلبت منه أن يساعدني في ورطتي .. ، ويذهب بدلا مني الي جامعة اسيوط .. و ينسخ لي الكتاب ... ويحضره لي في موعد عودته من الاجازة الميدانية ..
تمام يا فندم.. سأحضره لك .. ما هو اسم المرجع ؟
- "مش عارف"
نظر الي الجندي و كأنه يتساءل .. هل تريدني ان احضر كتابا لا تعرف عنوانه ... ، قلت له سأخبرك في الوقت المناسب .. فهو سري للغاية 😀
اخبرت استاذي اني سأسافر الي اسيوط .. "فانشكحت" اساريره وتهللت ... وطلب مني عندما أصل أن اعطيه موظف المكتبة وهو سيخبره باسم الكتاب !!
يا بروف ... الا تخبر تلميذك النجيب بدلا من هذه البهدلة وقلة القيمة ... قال لي .. لا فطالما انت تستخدم جوجل فأنت لست نجيبا و سيكون مصيرك هو مصير السيد الرئيس محمد نجيب ...
ماذا أفعل في هذة الورطة ... ؟!! ... ، بسيطة .. احضرت جنديا صعيديا آخر من أسيوط ايضا ... ولكن كانت هناك مشكلتان .. الاولى انه "دبلون صنايع" ... ، ثانيا أنه لا يتحدث لا الإنجليزية ولا العربية حتى ...
دربته علي القيام بمهمة محددة ... أن يرد علي استاذي بكلمات محددة مثل " أهلا يا دكتور " .. و يمثل انه موظف في مكتبة هندسة اسيوط... ، واني "مهندس زائر " ... وعندما يخبره الاستاذ عن اسم المرجع .. يكرره مرة او مرتين بصوت عال حتي استطيع معرفة اسمه و اكتبه ..
طبعا .. قمت بتدريبه كثيرا واجريت له عد بروفات .. و كنت قلقا جدا من ادائه ...فقد كان مثالا لجندي الامن المركزي العتيد ... الميزة الوحيدة فيه هي لكنته الصعيدية ... ، وجاءت لحظة الحسم ... ، قمت بشحن رصيد هاتفي المحمول طراز اريكسون T10 .. بما قيمته سدس المرتب تقريبا .. واتصلت باستاذي .. :
بروف انا في مكتبة هندسة اسيوط
- معقولة رحت هناك ..
- طبعا يا بروف فأنا رهن اشارتكم ورهن اشارة المادة ورهن اشارة عمود النور
- حسنا .. إعطنى موظف المكتبة...
وجدت زميلي الجندي ... وقد احمر وجهه و تلعثم ونسي كل التدريب الذي دربته اياه ... أعطيته الهاتف واشرت له بيدي أن يهدأ ... ...فبدأ بداية خاطئة بأن رد على استاذي في الهاتف : تمام يا فندم ... ... تمام ايه ..وفندم ايه ... ؟!! .. الم أخبرك أن تقول اهلا يا دكتور .. ؟؟؟؛...
ولحسن الحظ ... استاذي اعتبر كلمة يا فندم... احتراما من موظف المكتبة... فلم يتوقف عندها كثيرا .. وفعلا اخبره باسم المرجع ... و هنا وقعت الكارثة الثانية .. فزميلي الجندي ورغم حمله لشاهدة الدبلون المعظم ... لم يستطع ترديد اسم المرجع وبدأ يهذي بلغة أهل الكهف .. . و قام بترديد اسم المرجع بشكل لا يمت لحروف أي لغة بأي صلة ..
و لأن هواتف زمان لم يكن بها خاصية "فتح الصوت- السبيكر" .. فألصقت اذني في الهاتف سريعا لكي اسمع اسم المرجع .. ، .. وجدت استاذي يصرخ في الهاتف : " انت ازاي يا بني معينينك في مكتبة ومش عارف تنطق اسم الكتاب ؟"
و الجندي بدأ توتره يزيد .. فهو يريد ارضاءي لأني ضابطه .. و صوت الاستاذ ارعبه .. ، ثم زاد الطين بله عندما قال للاستاذ عبر الهاتف : أصل حظابط ... يريد الكتاب ..
اووف .. حظاابط !! .. ألم أقل لك اني اسمي المهندس فلان .. ؟؟؟!
فخطفت الهاتف منه .. وتدخلت في المكالمة بسرعة حتى لا يكتشف الاستاذ الخدعة .. واخبرته أني حكيت للموظف عن طبيعة عملي ... لهذا يقول حظابط ... ، ولا انسى حينها رد الاستاذ عندما قال لي .. : " انت رايح تخوفهم هناك و لا ايه .." انت مجرد طالب .. انت مجرد مهندس طالب ماجستير ... ،
- تمام يا دكتور حاضر .. اللي تشوفه معاليك ..
- لخصلي اول أربع أبواب و تعالى
- حاضر يا دكتور
تنفست الصعداء واقفلت الخط ، حامدا ربى على نجاح العملية .. أسيوط - 37. ( وهذا هو الاسم الكودي للعملية ) ...
ثم نظرت للسيد الزميل الجندي ..و الذي لم يلتزم بحرف مما دربته عليه .. و كنت قد دربته ان ينطق اسمي : المهندس فلان .. و ليس حظابط فلان .. فلماذا لم تنفذ يا صديقي .. ؟!!
فرد قائلا : ما يصحش يا فندم... ، مينفعش اقول على حضرتك ... غير حظابط ..
- أحيه ... ( تعبير يسمح به القانون على الأراضي السكندرية )
بالمناسبة .. ، رتبة ملازم اول يقال لها حظابط في الجيش ، و كنت ساعتها حظابط .. والجندي المحترم اصر علي احترام الصفة العسكرية .. متجاهلا تعليماتي العسكرية ..
المهم .... ، زميلي الاخر نجح في تصوير الكتاب من مكتبة هندسة اسيوط.. واحضره لي الي الاسكندرية.. فلخصت الابواب المطلوبة ... و استعنت ايضا بجوجل .. وذهبت بالتلخيص الي استاذي ...
فاذا به يبتسم ابتسامة عريضة قائلا حمد لله علي السلامة .. هل اعجبتك اسيوط ؟ .. فانبريت احكي له عن مشقة السفر وكيف عانيت في الحصول علي اجازة و كيف كيف .. .. ، عن جمال جامعة أسيوط .. و أشعرته أني كنت في رحلة الي القمر .. ،
ابتسم الاستاذ ابتسامة عريضه ... واخذ البحث و وضعه بجانبه ولم ينظر فيه نظرة واحده .. ، ففهمت أن رحلة القمر - عفوا أسيوط ... كانت تهذيب وإصلاح .. على تجرأي و استخدامي لجوجل ... ثم مجادلته له لاحقا ... ،
ومن يومها ... عندما يسألني .. من أين أتيت بهذه المعلومة ... فأرد فورا .. من مكتبة هندسة حلايب يا دكتور .
ورغم أنه لم يدرس لي غير مادة واحدة - وقد نجحت فيها بتقدير مقبول - وهي المادة الوحيدة التي حصلت علي تقدير مقبول فيها ... لكنه يظل استاذا لي ومعلما واتمنى له موفور الصحة والعافية لو كان علي قيد الحياة والرحمة و المغفرة لو كان فارقنا ..
ولعلني أفرج عن هذه القصة لأول مرة ... تعليقا على تشدد ومقاومة اساتذه اليوم لكل ما هو جديد مثل الكتابة العلمية للمقالات بخدمة الشات الجي بي تي ..
مشكلتنا أن العقول تصبح اسيرة الكلاسيكيات بشكل مبالغ فيه ويصبح الجمود هو سيد الموقف .. ، وعندما يقتنع عبدة الماضي بالجديد والتجديد ... يصبح الجديد ماضيا ... ونظل في منطقة التخلف لا نبرحها ... دواليك
طبعا زملائي الذين اشاركهم بعض الابحاث العلمية و الذين ربما يصادفهم هذا المقال الان يعرفون أني اتعبتهم كثيرا في مسألة الكتابة العلمية.. لأني اكرهها و غير مقتنع أن اضيع وقتي في كتابة بحث طبقا "لفورمات" المجلة الفلانية أو المؤتمر العلاني .. ..فأنا اكره الكتابة العلمية .. واعتبر ان البحث شئ وصياغته شئ آخر .. .. ، و الأستعانة بادوات الذكاء الصناعي قادم لا محالة .. فلنتعامل معه بحميمية قبل أن يطلقنا ...
وأخيرا ولأني لاول مرة افرج عن تفاصيل عمليتي خلف الخطوط ... و المسماه "أسبوط - 37 " يجب أن اتقدم بالشكر بعد 24 عاما من العملية .. لزميلاي الجنديان السابقين
الجندي كيرلوس اومكريوس او برباتوس (هو اسم قبطي معقد لا اذكره فيه اربع او خمسة سينات ) ...
و الجندي فرتكة او فريسكا ... ايضا لا اذكر اسمه الحقيقي .. ولا اذكر اسم الشهرة .. لكنه كان قريبا من هذه الاسماء ..
المهم ..
شكرا ابناء اسيوط .. فريسكا وباباسوس .. او ايا كانت اسماؤكما .. فبسببكما أخذت مقبول ..








































