يدخل عمار ببطء كأنه متردد ويقف عند الباب
-"الفطور سيبرد، هيا يا تاليا، واحضرى بابا معك."
نظرت إليه وأنا أتفرس بغرابته، عمار لم يعد في الحقيقة الطفل المدلل أظنه يكبر بالفعل
-"عمار ..ألا يوجد صباح الخير لبابا!!!"
وضع رأسه أرضًا، ليخفي شعره الأسود الطويل عينيه كان يشبه حنان، وقطعة أخرى من تاليا نفس العيون السوداء، والشعر الفاحم والوجه الأبيض المشرق، تقدم نحوي ببطء دون أن يرفع رأسه كأنه لا يريد أن ينظر لي
-"صباح الخير"
نزلت عن السرير، وتاليا ممسكة بيدي لأفلتها، مواجهًا لصغيري، ورفعت ذقنه بإصبعي، ونظرت بعينيه وقلت له بنبرة حنونة علني أصل لسبب تعامله الجاف معي:
-"أهناك شيء ما يزعجك من أبيك يا صغيري؟؟!!!"
يطيل النظر بعيني، عيناه تتحدث بالكثير،... يا الله أتلك نظرة حزن ؟؟
نعم ...هى كذلك
يخفض عينيه، يتحرك فجأة مبتعدًا وهو يقول بصوت عال:
"إنها الجمعة أنا أشعر بالجوع الشديد "
يجري نحو المطبخ ومن خلفه تاليا.
دخلت إلى المطبخ، لأجد الكثير من الطعام، والمخبوزات الطازجة، ورائحة البيض بالسجق تملأ المكان مختلط برائحة القهوة، وحنان تضع الأكواب والأطباق
"صباح الخير يا حازم نأسف لإزعاجك يوم الجمعة، إنها أول جمعة لك معنا منذ أعوام في الحقيقة، دومًا تسافر إلى فرع شركتك بالإسكندرية نهاية الأسبوع، لذا لم تحضر طقوس الجمعة من قبل"
تأملت الحال أو بالأحرى تأملت شعور الدفء ومططت شفتي بارتياح قائلًا
"صباح الخير ، يسعدني حقًا أن أنضم فالروائح شهية للغاية، سأغسل وجهي، وأغير ملابس نومي، وآتي على الفور."
جلستنا إلى المائدة دافئة، جعلت قلبي ينبض بسعادة الانتماء والسكن والهدوء، شعرت لأول مرة من فترة كبيرة بالارتياح، والبهجة لكن لم يطل شعوري كثيرًا، فقد شعرت تصنع البهجة بملامح حنان، كما تتصنع أنها تأكل، ما أمرها ؟؟!! لٍمَ لا تأكل!!! لهذه الدرجة تتبع حميتها؟؟
تساءلت بينما أمضع لقيمة البيض الشهية
"حنان أخشى أن يضعف جسدك بسبب هذه الحمية، وهذه الفترة نحتاج لتقوية المناعة"
نظرت لي حنان وابتسمت لتقول بهدوء
-"لا تقلق.. أنا بخير"
فقمت من مكاني، وكنت أجلس على رأس الطاولة المستطيلة مقابلًا لها، وأعددت لها شطيرة صغير، واتجهت نحوها وأخدت مقعدًا لأكون بينها وبين عمار و همست لها وقد شعرت أنني أحدث ابنتي التي لم أرها منذ مدة لا زوجتي
-"أيمكن أن تأكلي هذا مني يا نون؟؟"
شعرت وكأن جسدها يرتجف، واصطبغ وجهها بالحمرة، كأول يوم أطلقت عليها نون ومدت يدها المرتعشة، وتناولت من يدي قائلة ببطء
-نون؟؟ لم تناديني بهذا الاسم منذ أعوام"
بابتسامة باهتة أكملت:
"سأتناوله من أجلك"
كنت أشعر بنظرات تاليا ؛ فوجهت نظري٠ لها لعلها تشعر بالغيرة فالأنثى هي الأنثى طفلة كانت أو بالغة، لأجد دمعة انزلقت من عين ابنتي فتعجبت وسألتها بقلق:
-"تاليا ما بك ؟؟ لِمَ تبكين ؟؟"
تمسح صغيرتي وجنتها؛ فوجدت عمار، وقد ذهب إلى جوار أخته قائلًا:
-"آسف يا تاليا لم أقصد أن أركلك بقدمي أأنتِ بخير؟؟"
تنظر له أخته بحزن
-"أنا بخير ..أزعجتني ركلتك فحسب، لكن أعلم أنها غير مقصودة "
ترتمي بين أحضان أخيها ويربت هو على ظهرها برقة، صورة رائعة حقًا لتوأمي و إن كانت مبالغة بشكل ما .
أكلت حنان الخبز ثم استأذنت، لتذهب إلى الحمام، ولكنها تأخرت،فذهب عمار إليها وسمعته يطرق الحمام مرارًا ثم ركض والذعر مُحاك على ملامحه:
-"ماما لا ترد"
أسرعت إلى الحمام حاولت فتحه لكنه كان مغلق من الداخل، حاولت فتحه بالقوة، ولم يكن هناك أى صوت؛ فاضطررت إلى كسر الباب، لأجد حنان وقد سقطت أرضًا، ويبدو من منظر الحمام أنها أفرغت ما أكلته، حملتها وقبل أن أتوجه لغرفتنا استوقفني عمار وقال بطريقة جافة وحازمة:
-"إلى غرفة تاليا..أمي تنام بغرفة تاليا"
لم أفكر أبدًا، ذهبت بشكل آلي إلى غرفة تاليا، ووضعتها على السرير، أحضرت تاليا العطر دون أن أطلب، وبدأتُ في محاولة إفاقتها،بدأت تفيق رويدًا رويدًا لتقول بوهن وبصوت بالكاد يُسمع
-"ما الأمر ؟؟ ما الذي حدث؟؟"
كانت تاليا تبكي وقالت من وسط دموعها وكلماتها المرتعشة ونبض قلبها الظاهر بصدرها صعودًا ونزولًا بسرعة
-"أغشيَ عليكِ.... من جديد يا أمي"
ليقول عمار بعصبية بالغة هادرًا بصوته
-"لم أعد أحتمل أن أراكِ هكذا ...لم أعد أحتمل"
يضرب الأرض بقدميه، ويخرج غاضبًا من الغرفة، وأنا لا أعلم ما يحدث من حولي، كغبي وحيد بهذا البيت، فوجهت حديثي إلى تاليا وأنا أحاول أن أتحكم بثباتي:
-"ما الأمر يا تاليا؟؟ هل أغشي على والدتك قبل اليوم؟؟!!"
تهز رأسها بالإيجاب في حزن، وقد أغرقت الدموع وجهها
وجهت نظري بقلق إلى حنان:
-"ما أمرك ؟؟ أي حمية تلك التي ستقتلك؟؟!! هل جننتي إلى هذا الحد؟؟!! منذ متى تهتمين بمظهرك بهذا الشكل الجنوني؟؟!!ستقتلين نفسك من أجل حفلة ؟؟"
لمحت نظرة عتاب بعيني تاليا وهي تقول بلوم
-"يكفي ليست الحمية، أمي مريضة وقلنا لك ذلك حتى لا تقلق ولم يركلني عمار إنما أشفقنا على أمي."
هنا تكلمت حنان بإعياء شديد
-"أنا متعبة قليلًا يا حازم ليس إلا... لا علاقه للحمية بالأمر، فأنا أتبع نظامًا غذائيًا صحيًا مع طبيب، أشعر فقط بالغثيان، والإغماء يحدث من وقت لآخر، بعد انتهاء الحظر سأقوم بعمل التحاليل اللازمة للاطمئنان لا تقلق"
فكرت قليلًا ثم تفوهت بما عرفت بعد ذلك أنه أغبى ما ألقي به لساني:
-"أيمكن ان تكوني حامل؟؟!!! فهذا حدث عند حملك من قبل"
ضحكت حنان بسخرية رغم ضعفها، ولم تقل الكثير فقط
"لا أظن "
هززت رأسي وقلت لها
-"استريحي الآن قليلًا، أتحتاجين أي شيء؟؟"
بدأت تتحرك وتتحدث بضعف
"أنا بخير تمامًا، واسترحت، ولدينا الكثير من المهام اليوم، أنا وعمار وتاليا، هيا اذهب إلى حاسوبك، ولا تقلق أنا بخير"
حينما وقفت علمت أنها محقة، وهي فعلًا بخير، لذا ذهبت بالفعل إلى حاسوبي، ومر يوم الحظر الثاني كالأول حتى ذهبت إلى غرفتي لأخلد للنوم؛ فلم أجد حنان فيها من جديد، تذكرت كلمة عمار... أمي تنام بغرفة تاليا ماذا؟؟ منذ متى؟؟
فذهبت لغرفة تاليا، كان عمار نائمًا على سرير، وعلى السرير المقابل، تاليا نائمة بين ذراعي أمها، التي فتحت الهاتف، وكانت تنظر به باهتمام شديد، لدرجة أنها لم تلحظ أنني فتحت الباب، لأحدثها بصوت منخفض
-"حنان.. كيف حالك؟"
لتجزع رغم أن صوتي كان هامسًا وبتلقائية الخائف من افتضاح شيء يُخفيه، وجدتها تغلق الهاتف، وتضعه جانبًا كأنني ظبطها بجرم ما، لم يعجبني تصرفها
-"أنا بخير كنت أتفقد صفحتي الشخصية وسوف أنام .."
تحدثت حنان بارتباك يثير الشك ،فقلت لها:
-"أيمكن أن أتحدث معك قليلًا؟؟"
فقالت وهى تندس تحت الغطاء، وتحتضن تاليا
-"غدًا يا حازم أشعر بالدوار، وأريد النوم تصبح على خير"
رجعت لغرفتي، أشعر بحمى من المشاعر، جلست إلى الفراش، وبدأ شريط اليوم كله يمر أمامي، وتعدى شريط اليوم آخر مناوشة بيننا، قبل ستة أشهر، اذكرها جيدًا لأنه كان يوم عيد زواجنا، يومها تأخرت في عشاء عمل، وتناولت بعض كؤوس التكيلا مع "لبنى الزيني" سيدة أعمال كانت دومًا تثير غيرة حنان وأظن أنها كانت تتعمد ذلك في المناسبات القليلة التي جمعتها مع حنان، لكن مصالحي مع لبنى جعلتني ألقي باللوم على حنان وأتهمها بالشك الزائد من باب من كان صوته أعلى انتصر ،ليلتها رقصت مع لبنى قليلًا وهي مجنونة بالتصوير ووضع صورها على قنوات التواصل، ورجعت إلى البيت الخمر تتلاعب برأسي؛ فدخلت إلى المطبخ لأتناول بعض الماء، فلاحظت كعكة عيد ميلاد، وقد ألقي بها فى سلة المهملات، وحينما استدرت وجدت حنان خلفي وكان شرر الغضب بعينيها يكاد يشعل الموقد من خلفي
- "نعم رميتها لا أهميه لكعكة تافهة إذا لم يأتي من يحتفل، أخبرتني في الصباح أننا سنحتفل اليوم بعيد زواجنا، وماذا فعلت أنت، ذهبت، وألقيت بنفسك بأحضان اللعوب، صاحبة المال والنفوذ، و صوركما هنا وهناك لتتسابق من يشبهنها عليك وتتكالب سيدات الأعمال على رجل الأعمال الوسيم، لتكبر الثروة، وتعلو المكانة، لكن بنفس الوقت تسقط من نظري، لا يوجد أي اعتبار لكرامة ومشاعر تلك الغبية التي تنتظر، أصبحت تشبه حيوان جائع لا يشبع أبدًا يا حازم والأكثر لا يعجبه إلا النفاية ليأكلها"
لم أشعر بنفسي إلا وأنا أصفعها صفعة أسقطها أرضًا؛ تسقط على حافة درجات سلم المطبخ الثلاث، وتصاب ركبتها بكدمة قوية، تأوهت بشدة على أثرها، لم أهتم كنت غاضبًا لكلماتها المستفزة، تركتها ولم أبال، واتجهت إلى غرفتي وسمعتها من خلفي تصرخ
-"أقسم على أنني لن أتحمل أكثر، ولن تشاركك جاريتك الفراش بعد اليوم، وستندم يا حازم وحينها سأكون ذهبت، وأظنك لن تلحظ"
وضعت يدي على رأسي، وأنا أتذكر تلك الكلمة، كم أنا غبي قلت لها اليوم، أيمكن أن تكوني حامل، وأنا لم ألمسها منذ ستة أشهر، وبالفعل لم ألحظ، كيف لامرأة أن تبقى بعيدة عن زوجها كل هذا الوقت، ولا تعاتبه حتى ، ما الذي يحدث؟؟!! وبدأ الشيطان ينسج برأسي أسوأ السيناريوهات،
رسائل هاتفها، اهتمامها المفاجئ برشاقتها، ارتباكها عندما أحدثها وبيدها الهاتف، إسكات طفلينا، وهما على وشك قول شيءٍ ما ...أكثر من مرة التوعك والغثيان
أيمكن أن...؟؟
وضعت يدي على وجهي، وتسلل خنجر الشك إلى أحشائي،
-هل يوجد أحد بحياة حنان؟؟
-وإلى أي مدى وصلت علاقتها به ؟؟
-وهل يعرف ولدىَّ بذلك بالأمر ؟؟
،،يتبع،،








































