منذ يومين أذيع بودكاست مع الدكتور خالد نجل الدكتور محمد عمارة لاكثر من ساعة وثلث، وكم كنت أتمنى أن يكون الحوار كله عن والده، ليعرض لنا لمحة مما لا نعلمه عن حياته الخاصة وطبيعته كوالد ومربي وإنسان يمارس حياته واسلوبه في التعايش مع الآخرين، ولمكانة الدكتور عمارة رحمه الله في قلوبنا كنا نتمنى أن نقترب أكثر وأكثر حتى نضيف إلى صورته الجميلة في أذهاننا جمالا فوق جمال.
لكني هنا أحببت أن أركز على نقاط مهمة ذكرها نجله ورأيت أن أنقلها للقراء، لتكون نسمة عابرة من ذكرى رجل أحببناه، ولعل ولده الكريم أن يفكر في هذا الأمر، ويفرد لقاء آخر يمتعنا فيه بحديثه عن الوالد ليلبي شوق الجماهير المتعطشة لمعرفة أحوال رجل كان من أعظم من نافح عن الإسلام وسيفا من سيوف الله سله على الملحدين والعلمانيين واليساريين مبغضي الدين.
وفي الحديث ذكر الدكتور خالد أن والده الدكتور محمد عمارة كان يربي أبناءه على الحرية ويتيح لكل منهم أن يتحمل المسؤولية في اختياراته، لكن هذه الحرية كانت محكومة بأطر المبادئ التي علمهم إياها منذ نشأتهم، لقد ربى أبناءه عن طريق القدوة التي رسمها لهم في سلوكه وتصرفاته، وهي القدوة التي غرست المبادئ والقيم التي نشأ عليها هؤلاء الأبناء.
كان رحمه الله متفرغًا للعلم، وكانت في بيته مكتبة ضخمة، بل يكاد أن يكون البيت كله مكتبة، الأرفف في كل مكان وفي كل غرفة، وفي الرواق، حتى في دورة المياه كانت الكتب حاضرة،. كان رحمه الله متفرغًا للعلم فقط وللقراءة وحدها، ولم يكن أهله ينزعجون من الكتب، كانت المعيشة متواضعة، حتى إنه في البداية لم يكن لديهم ثلاجة أو بوتاجاز.
كشف الدكتور خالد محمد عمارة عن طبيعة والده اليساري، إذ ظن الجميع أن يسارية الدكتور محمد عمارة هي تلك اليسارية التي تلحد أو تشبه الملحدين والمتمردة على الدين أو المنكرة للثوابت الشرعية، ولكن الدكتور محمد عمارة كان يصلي، ولم يكن يعجبه من اليسار إلا مسألة العدالة الاجتماعية، والتي ثبت له بعدها فشلها وقلة جدواها في مصر على الخصوص التي يعظم شعبها الدين.
كتب الدكتور عمارة رحمه الله خمسة كتب وهو في المعتقل، ثم ضاعت منه وعاد لكتابتها مرة أخرى.
وكانت لديه قدرة كبيرة على الحب وإنشاء علاقات طيبة مع الآخرين، خاصة مع من يختلف معهم، كانت له مع كثيرين معارك معركة حامية وشديدة، والألفاظ فيها وتعبيراته كانت قاسية، ولكنه مع هذا كله، يقيم العلاقات الطيبة مع من يعاركهم ولا يخاصمهم، ولا يضعهم في خانة العداء، كانت لديه خلافات في الرأي، ولكن هذا لا يعني العداء، كان الجميع يأتي لزيارته، العلماني والإسلامي سيان. كان رحمه الله يبحث دائماً عن المشترك العام قبل الفروقات.. وحزن جداً حينما سمع بنبأ اغتيال فرج فودة، وكتب عن هذا وقال: "ليس من الإسلام"، حتى في مسألة تطليق زوجة نصر أبو زيد كان يرفضها وكان ضدها. وكان محمد أحمد خلف الله أيضاً صديقه، الدكتور محمد عمارة كانت لديه احترافية في التفريق بين العلاقات الاجتماعية والعلاقات مع الناس، وبين الأفكار، كان ينتقد الأفكار ولا ينتقد الأشخاص، لقد كان دكتور عمارة، رحمه الله، من أهم سماته أنه كان مولعاً جداً بالأمل واليقين في النصر الإلهي، شريطة أن يقوم كل منا بواجبه.








































