لا تظن أن الصالونات الادبية التي تراها اليوم هي ذاتها التي تسمع أو تقرأ عنها في كتب الأدب وتراجم الأعلام الفكرية والثقافية.. لقد كانت الصالونات القديمة موطئا لأعلام الفكر والأدب، كانت تستضيف الكبار من ذوي المواهب والإبداع والتأثير الفكري في الساحة الثقافية، كان الحضور يستفيدون ويتعلمون، ويخرجون في نهاية اللقاء وهم على يقين كبير بالإفادة والتعلم والزيادة المشهودة في حصيلة معارفهم.. أما اليوم فإن الصالون يجتمع ليناقش رواية أديب مبتدئ أو مجموعة قصصية لكاتبة هاوية في أولى خطوات الطريق.. ما الذي نستفيده ونتعلمه، ما الذي يمكن أن يعطينا شاب او شابة في مستهل مشوارهم الكتابي؟
أعتقد أنه لا شيء.
يقولون لك: نشجعهم ونحفزهم.. وأنا أقول: يمكن ذلك تحت مسميات ورشة إبداعية تابعة للصالون يحضرها من يشاء ممن يريد التعلم والتعرف على البدايات، أما أن يكون صالونا فتلك كلمة كبيرة عليه.
ألاحظ كذلك أكبر خطيئة شائعة في تلك التجمعات التي تطلق على نفسها مسمى الصالون.. ذلك أنها تقتصر على مناقشة الرواية والقصة، وإذا سألت نفسك أين الفكر وأين العلم وأين الثقافة؟ لا تجد جوابا شافيا.
الصالونات القديمة كانت قبل رصدها للإبداع، تشكل فكر الأمة وترمق مستجداتها الثقافية، وتبرز الطريق الأمثل الذي يجب أن يكون عليه الحال المعرفي..
كانت الصالونات تدعو وتستقطب الكبار الذين يثرون الحضور بعبق أفكارهم، والكثير من علمهم.
كان الصالون لا يقتصر على الأدب فقط، وإنما يعرض لكل أشكال المعرفة، وإذا تأملنا الصورة الحالية أمام الماضي الزاهي، لوجدنا بونا شاسعا يجسد نوعا من الهراء.!
المشرفون على هذه الصالونات الغريبة التي استعارت لقب (صالون) وهي ليست منه في شيء، أو ليس هو منها في شيء، أغلبهم تستهويه الشهرة بين الشباب الذين انتشرت فيهم هواية القصص وكتابة الحواديت وتسميتها بالرواية، وفرضوا على الواقع الثقافي لونا لا يمكن أن يجسد الأدب الحقيقي، لافتقارهم إلى أدواته الكبيرة عليهم.
كل من أراد أن يشعر بذاته أو أن يشغل وقته، يؤسس صالونا أدبيا، ليكون محط أنظار الشباب ومحور اهتمامهم.
الشباب الصاعد يحتاج مزيدا من النضج ومزيدا من القراءة حتى يكتب شيئا جيدا يمكن أن يوصف فعلا بأنه عمل ممتاز.. كتابة القصة والرواية موهبة لا تنزل بالبراشوت على صاحبها، وإنما هي موهبة عريقة تثقلها الثقافة والقراءة المكافحة.
كان آخر عهدي بهذه الصالونات العريقة التي افتقدتها مصر، صالون العلامة القدير الدكتور سعيد اسماعيل علي، كنت مواظبا على حضوره في القاهرة، وكنت وقتها صغير السن، وعبر هذا الصالون الشامخ رأيت أعلام الثقافة والفكر، واستمعت إلى صناديد العلم، وإذا لم تكن لي من إفادة غير أني رأيت قمة شامخة فكفاني، لكننا اليوم نحضر هراء ونشاهد هرفا.
وكنت منذ عهد قريب أحضر بعض الندوات لهذه التجمعات التي استعارت لقب الصالونات، وتقويمي لها أنها لا يمكن أن تمثل الثقافة الحقيقية في شيء طالما جافت الفكر، وخاصمت المعارف.. وأصرت على تقديم لون لا يخدم المعرفة في شيء.
نحن أمام بحر كبير أو شلال من الحكاوي والقصص، ويقال: إنه كل ساعة في مصر تولد رواية، حتى أن نصف الشعب أوشك أن يكون كله روائيا، وطبعا نرى المستفيد الأول دور النشر التي تستغل أحلام الشباب والشابات في نشر قصته، وتتبعها الصالونات التي توهم الشاب والشابة أن روايتهما التي قبلت المناقشة مبدعة وخلابة ولا مثيل لها.
خداع في خداع، ووهم في وهم.
بعض الصالونات تتوق إلى مناقشة كل الألوان الثقافية، ولديها استعداد ورغبة أن تقدم صورة حقيقية للبعث الثقافي المنشود، لكن للأسف، لا تجد الموجة الشبابية التي تساندها، وتؤيد رغبتها الطموحة، واحذر أن تتخيل أو تظن أن هذا الحال الشبابي الحالي، يدل على الثقافة الحقيقية، أو أن أصحابه يمكن أن نطلق عليهم مثقفون، الثقافة أعلى بكثير من مجرد كتابة قصة، الثقافة علم وفهم وحفظ وقراءة وفكر وقبل هذا وعي.








































