حينما أهم بطبع كتاب أؤلفه، يقف أمامي عقبتان.
الأولى تأليف الكتاب والانتهاء منه ومراجعته، والعقبة الثانية هي مرحلة اختيار الغلاف والتفاهم والنقاش وأحيانا الخلاف مع الدار والمصمم، حيث يُهيأ لي، أن الغلاف لابد أن يحكي معنى الكتاب، وإذا لم يحدث هذا التواؤم، فلن يتم ترويج الكتاب وتسويقه على الشكل الأمثل والصورة المرجوة التي تتمناها نفسي.
واقتنعت فعلا بأن مرحلة الغلافة واختيار هيأته، قد يكون أهم من الكتاب نفسه، وقد يكون الداعي كما يقول المسوقون إلى إقبال القارئ عليه، ومن ثم أعياني كثيرًا أن أحصل على مصمم يستوعب بريق الصورة التي يرسمها وجداني لكتابي.
ولكن قبل كل شيء، لابد أن نقرر حقيقة واقعية، فالأمة والشعب أو جمهور القراء، الذي يحكم على الكتاب من غلافه، هو جمهور سطحي مولع بالمظاهر، وقد كان من علمونا القراءة منذ الصغر، حينما نصوحنا بشراء الكتاب الجيد، كانوا يقولون لنا: عليك بثلاث نقاط تتبين بها الكتاب القيم:-
1- اقرأ عنوان الكتاب
2- 2- تصفح المقدمة
3- اقرأ عناوين الفهرس
وبهذه الثلاث سوف تصل إلى تحديد قيمة الكتاب، إن كان جيدا أو كان تافها.
ولم يقل أحدهم أبدا انظر لغلاف الكتاب.!
بعض دور النشر تصر في تصميمها للكتب، على وضع صورة فتاة جميلة، ذات وجه حسن، أو امرأة جميلة يشوب جسدها بكثير من المنحنيات والتضاريس الفاتنة الغاوية، وكأنها تخاطب الشهوات، لا تخاطب العقول.
انظر مثلا لكل كتب الأستاذ (عبد الوهاب مطاوع) التي تطبعها بعض الدور، فعلى قيمة وجمال هذه الكتب، لا يخلو واحد منها من صورة وجه مشرق لامرأة فاتنة، ولا أعلم لماذا نبني نظرية التسويق الحديثة، على هذا العري في مخاطبة الغرائز؟!
حتى كل أغلفة كتب (نجيب محفوظ) في أكثر طبعاتها تحمل ذات التوجه العاطفي الغرائزي.
إنهم بهذا الفعل يضعون هذه الكتب في مصاف الصحف والجرائد الجنسية، التي كانت تعرض صور الموديلات النسائية داخليا وخارجيا.
هناك عقول للمؤلفين لا يجوز أبدا ومن الحرام أن يستشاروا في انتقاء الغلاف، فهم مؤلفون جيدون موهوبون، لكنهم تناسوا أو ظنوا أنهم أيضا فنانون، يجمعون بين الإبداع القلمي والإبداع الفني والتصميم، فيضعون أنوفهم في اختيار الغلاف، فإذا به يخرج طفوليا سطحيا تافها بعيدا عن العمق.
أذكر أن كاتبة ألفت مرة كتابا قيما في الدين، وصممت على اختيار الغلاف بنفسها، واضطرت الدار والمصمم أن ينفذا رغبتها، فإذا به يخرج وكأنه كتاب للأطفال، أو يوازي غلاف مجلة لبطوط وميكي ماوس.
ومن ثم أضرت كثيرا بكتابها، ومازالت إلى اليوم مقتنعة به.
إن كتب السلف الفخمة العظيمة، لا صور فيها ولا تحمل أغلفتها صور الفاتنات، ومع هذا تحمل العلم الغزير، والمعرفة الوافرة.
هناك طبقة من القراء كل مشكلتهم مع الصورة، التي ينطق بها الغلاف، ولا ينظرون أبدًا إلى محتوى الكتاب، وقد عانى من هؤلاء مولانا الشيخ الغزالي، حينما قال له أحدهم: لقد رأيت كتابك وأعرضت عنه لأن غلافة يحمل صورتك، فالصور في معتقده حرام.
ماذا لو صدر الكتاب القيم أو الرواية الجيدة بلا صورة أو لون، ليكون مجرد عنوان فقط؟
للأسف لن يكون للكتاب قيمة، ولن يسوق وسيظل حبيسا في رفه ومكانه، لأننا أمة تخدعنا المظاهر ويخطفنا بريق الشهوات.
إن كل الكتب القديمة للأدباء في القرن الماضي، كانت مجردة من هذا السخف الحديث، وكان الجمهور يقبل عليها ويقتنيها ويسعد بها ويتعلم منها، وذلك لأن القراءة قديما كانت جادة، وكان القراء في الماضي يرتبطون كثيرا بالقيم.
لكننا اليوم في تحول غريب مريب، القارئ والكاتب معا.
أذكر أنني حينما ألفت كتاب (كوني أما عظيمة) وضع المؤلف عليه صورة لامرأة جميلة، يكاد الحسن أن ينطق في ملامحها الوضاءة، كإشارة إلى لفظ الأم في عنوان الكتاب، فقلت في نفسي وقتها: ما أجدر هذا الكتاب أن يكون عوانه كوني محبوبة عظيمة، لا أما عظيمة.. وكيف أقنع الناس أن هذا الكتاب كتابا يعبر عن قيم الأمومة، بهذا الوجه الملائكي البديع؟ لن يقتنع أحد ولن تقبل عليه تلك الشريحة التي قررت لهم هذا الكتاب، وفي ذات الوقت كيف سيقتنع به السطحيون المولعون بالجمال ، وهم يرون كلمة الأم في عنوانه؟!!
وإذا كنت أتهم جمهور القراء بالسطحية من هذا الصنيع، فإنني أعترف أنه صار توجها عاما، ومرضا قد انتشرت عدواه، فقد رأيت غلافا لأحد الكتب، لا أعرف ما هذا الإيحاء الذي أصابني وتملك جوانح وجداني وظنوني، حينما أيقنت لساعتي أنه كتاب قيم واقتنيته ، ولما تصفحته كانت الخديعة الكبرى، والأسف البليغ.
يمكن لي أن أقول: أننا إذا وصلنا (كتابا وقراء) لليوم الذي نقتني فيه كتبا تتنكر أغلفتها لصور الفاتنات، فيمكن وقتها أن نكون قد وضعنا أولى خطواتنا على طريق النضج العقلي والتوعوي.