قد تحدث مصائب ومحن في حياة الإنسان، وقد يستاء منها ويحزن وتسود الدنيا في وجهه، ولا يتركه الهم حتى يقضي على البهجة في محياه، ثم هو لا يدرك أن الله تعالى قد جعل في هذه المحنة منحة له وتفريجا ونصرا يغير مسار حياته.
ومن ثم تقول الحكمة المشهورة: «ما من مِحنَة إلا وراءها مِنْحة»،
والله تعالى يعرفنا هذا السر ويذكر لنا هذه الحال فيقول: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
كثيرا ما يتعرض الإسلام لهوم عنيف في دول الغرب، وتقوم حملات متعصبة ضده بغية التشويش عليه والتنفير منه ومن أهله، ولكن الجماهير الغربية الواعية تقرأ عن الإسلام مدفوعة بهذا الهجوم النكر، ثم إذا بها تقف على حقيقة الإسلام المظلوم، ليقودها الافتراء للانتصار للحق، إما مدافعين منصفين، أو معلنين دخولهم في هذا الإسلام، وهذا ما علمناه وقرآناه في أكثر من محنة ومع أكثر من عداوة.
ولعلي أقول في نفسي أمام ما أراه من ردود الفعل الغربية إزاء الهجوم والعداء على الإسلام الذي لا يستقوي عليه هؤلاء: لماذا لا تكون ردود أفعالنا أمام ما يتعرض له ديننا وما تناله ثوابتنا في بلادنا من حملات مشبوهة ومقولات نكراء يرددها قوم لا يعظمون الله ولا يشعرون بانتماء تجاه الإسلام دينهم ودين آبائهم، وقد تجد أحدهم متسميًا باسم النبي صلى الله عليه وسلم، أو باسم صحابي من صحابته، ثم تجده من فعله وقولة لعنة وجحودا لا نظير له.
لماذا لا نقابل هذا المنكر بردة فعل تشبه ما يحدث في الغرب، فنناصر الحقائق وندافع عنها أمام المرجفين؟!
ولعل العامل في اختلافنا عن الغرب حيال هذا التصرف وهذه المقابلة، يرجع إلى درجة الوعي والثقافة والحرص على المعرفة التي تفوق فيها الغرب علينا بالسنين الضوئية، بينما نحن خاصمناها ومنحنا عقولنا وقلوبنا وآذاننا لأقوال المرجفين المزيفين المنحرفين الجاحدين للحق.
فعلا قد تحدث بعض الفتن والمحن التي يكون في باطنها خير كثير، وثمرة يانعة لم ندرك نحن أو لم يأت في خيالنا أبدا ما يدعونا لتصور حدوثها، ويمكن هنا أن نطرح مثالا فكريا فنقول: ترى ما السبب الذي جعل الدكتور محمد حسين هيكل يتحول من مفكر متغرب تارة ومتفرعن تارة أخرى إلى أقوى المفكرين المسلمين الذين لهم دفاعهم المحمود وانتصارهم للإسلام عبر مؤلفات زلزلت الدنيا وكان لها بريقها وتأثيرها وروعتها الشديدة؟
يقول إن سبب التحول أن نشطت الجهود التبشيرية في مصر بأوائل الثلاثينات نشاطا مخيفا، مما أدى لكوارث عديدة تسببت في إثناء الكثيرين عن دينهم، وضاق الغيورون وقتها بموقف الحكمة السلبي، وعلى جناح السرعة تألفت جمعية لمقاومة هذا النشاط المريب، كان من أعضائها شيخ الأزهر وقتها ومعه الدكتور محمد حسين هيكل، وكان هيكل ولموقعه السياسي أخذ يفكر كيف السبيل لرد هذا العدوان؟ وانتهى به المطاف أن أفضل ما يمكن أن يرد به على هؤلاء، هو أن يبحث في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومبادئه بأسلوب علمي، ثم يقدم ذلك للناس تقديما يقنع المسلم وغير المسلم بصدقه صلى الله عليه وسلم، وأدى ذلك البحث إلى ظهور كتاب حياة محمد، الذي قيل أنه كان صدمة عاصفة، في عقل التغريبيين، الذين كانوا يشايعون الدكتور هيل فتألبوا عليه وأخذوا يتهمونه بالرجعية، لأنه رد مطاعن المستشرقين، ودافع عن نبي الإسلام، ونزه القرآن الكريم عن النقد العلمي، وكتاب هيكل كان فتحا عظيما في رؤية الراصدين انطلقت بعده كثير من المؤلفات لكثير من المفكرين والأدباء الكبار يدافعون عن دينهم وكتابهم ورسولهم، وأظهروا انتماءهم لدينهم بمؤلفات عظيمة نافعة شكلت جبهة عنيفة في دحر موجة التبشير؟
حتى طه حسين من يأخذ الكثيرون عله المآخذ الإسلامية، كان أول من كتب عن الدين وفيه وإحياء معالم السيرة النبوية، وحتى توفيق الحكيم أبدع في نصرة دينه أيما انتصار حينما جرى لأول مرة سياقا جديدا للسيرة النبوية حينما سردها في سياق مسرحي مدهش.
أرأيتم كيف كانت المحنة التي ولّدت منحة عظيمة وجعلت هؤلاء المؤلفين الكبار والرواد العظام، ولكن ماذا عن الكتاب والمفكرين في زماننا؟ هل ترانا ننظرهم وهم ينتصرون لدينهم أمام هذه الموجات الساقطة المريبة من التشويه والقدح والإساءة؟!
لا أحد ينتفض فرحمة الله على القدماء.